سجون مدرسيّة في سوريا الأسد

349

“بُنيت المدارس في سوريا، مثلها مثل باقي المباني الحكوميّة، بهيئات بشعة، بمساحات كبيرة من أجل أن تتسع لأعداد هائلة من الطلاب. تشبه المدارسُ السجونَ”. هذا ما يكتبه دلير يوسف، محاولًا تحليل شكل المدرسة وعلاقة المعلمين بالطلّاب والطالبات المبنيّة أساسًا على العنف وأسباب هروب الطلاب والطالبات من المدارس.

تشبه المدارسُ في سوريا السجونَ، جدرانها عاليّة ونوافذها مُسيّجة، والمعلّمون والمعلّمات يضربون الطلّاب والطالبات بعصي مختلفة الأحجام والألوان والأشكال. وفي المدارس السوريّة، مُدرّبون عسكريّون، أشبّه بضبّاط الجيش، يعاقبون الطلّاب عقوبات عسكريّة. بعد بدء “مسيرة التطوير والتحديث” وتسلّم بشار الأسد رئيسًا للبلاد خلفًا لوالده حافظ الأسد، مؤسس مملكة الخوف والرعب، تمّ استبدال المُدرّب العسكري، بأساتذة، اختلفت تسميتهم، فمرة كانوا مراقبي دوام، ومرة كانوا أساتذة انضباط، لكن مهماتهم ظلّت مثلما هي، حتى وإن تغيّر الاسم.

ما يجري داخل هذه المدارس من عنف، إضافة إلى عوامل أخرى متعلقة بالأوضاع الاجتماعيّة وأشكال المدارس وعلاقتها بنظام الحكم، يدفع الكثير من الطلاب والطالبات إلى الهروب والتسرّب من المدارس في مراحلها المختلفة. في هذه المادة أحاول استعراض أسباب هذه الحالة، مُتكئًا على الخبرة الشخصيّة، ومستعينًا ببعض المراجع التي عملت على تحليل المجتمع السوري، أو مجتمعات شبيهة.

تجارب شخصيّة في المدرسة السوريّة

تكاد تكون تجارب العنف والتعنيف التي شهدتُها في المدارس السوريّة، منذ بداية المرحلة الابتدائيّة وحتى نهاية المرحلة الثانويّة، مرورًا بالمرحلة الإعداديّة وعلى مدى أكثر من اثني عشر عامًا، أكثر من أن تُعد، لكنّني أكتفي ببعض المشاهدات هنا (1)

في السنة الأخيرة من المدرسة الابتدائيّة، أي حين كنّا في الصف السادس ونبلغ الحاديّة عشرة أو الثانية عشرة من أعمارٍ غضّة، وفي مدرسة محي الدين بن عربي الواقعة في حيّ ركن الدين في العاصمة دمشق، كانت إحدى المعلّمات تضرب الطلّاب والطالبات بشكل جنوني. في إحدى المرات ضربت طالبًا في صفنا بشكل وحشي؛ ضربته بيدها ورجلها ومن ثمّ لفت ذراع الصبي خلف ظهره، وأمالته إلى الخلف بركبتها، فانكسرت يد الطالب الذي عاد في اليوم التالي إلى المدرسة رابطًا يده ومُجبرًا على الاعتذار من المعلمة.

ما يجري داخل هذه المدارس من عنف، إضافة إلى عوامل أخرى متعلقة بالأوضاع الاجتماعيّة وأشكال المدارس وعلاقتها بنظام الحكم، يدفع الكثير من الطلاب والطالبات إلى الهروب والتسرّب من المدارس في مراحلها المختلفة.

في الصف الثامن، أو الثاني الإعدادي، لسبب ما بدأ طلاب المدرسة بحرق الكتب المدرسيّة بعد الانتهاء من الدوام المدرسي، فخرج الموجّه المدرسي، وهو من يقوم بأداء المهام اللوجستيّة لعدد من الصفوف، من المدرسة ظنًا منه أنّ الطلاب سيخافون منه ويتوقفون عن حرق الكتب، وهو المشهور بعنفه وضربه لمن أمامه بما يحمل في يده.

خرج من بوابة المدرسة ووقف في منتصف الساحة المواجهة للباب الخارجي للسور، وبدأتْ حينها ما تشبه الثورة. بدأ الطلاب برمي الأستاذ بالكتب. كان الأمر أشبه بمشهد سينمائي، هو في المنتصف والكتب تنزل عليه من كلّ حدب وصوب. في اليوم التالي، وفي الصباح الباكر دخل إلى الصفوف واحدًا تلو الآخر مناديًا على اسمين أو ثلاثة من كلّ صف. يبدو أنّ جواسيسه من الطلاب قد أعطوه بعض أسماء المشاركين في الحملة. كانت حصة صفنا طالبين. بدأ بضربهم وشتم أمهاتهم أمام المعلمة الخائفة التي أخفتْ وجهها خلف الكتاب. أخرجَ الطالبين من الصف ضربًا وحين عادا بعد قليل كانا غارقين بالدماء. لم يسمحْ لهما بأن يغتسلا.

مثل هذه التجارب كانت تدفعنا لكره المدرسة وكره المعلّمين والمعلّمات (أو أغلبهم/ن) وغير راغبين في حضور الحصص الدراسيّة، والتي كانت أبعد ما يكون عن العمليّة التعليميّة، حيث كمنت مهمتنا في حفظ ما نُلقَّن حتى نستطيع تجاوز الامتحان والوصول إلى المرحلة الدراسيّة التاليّة.

هذا الكره، وعدم الشعور بالانتماء إلى هذا المكان، وعدم التطلع إلى مستقبل أفضل دفع الكثير من الطلّاب والطالبات، وأنا من بينهم، إلى الهرب الدائم من الدوام المدرسي، فبعد خروجنا من البيت وتوديع أهلنا، كنّا نلتقي مع رفاق آخرين بالقرب من المدرسة، ومن ثمّ نتوجه إلى أمكنة أخرى.

في الفترة الإعداديّة، أذكر أنّنا هربنا من المدرسة ذات مرة من أجل الذهاب للسباحة، ومرات كثيرة من أجل لعب كرة القدم، وفي سنوات الدراسة في المدرسة الثانويّة، والتي بالكاد أعرف أساتذة بعض موادها لكثرة تسرّبي وهروبي من المدرسة، كنّا نذهب إلى بيت أحد الأصدقاء لمشاهدة الأفلام أو الاطلاع على كتب من خارج المنهاج الدراسي أو التجمّع في قهوة الكمال الشهيرة وسط العاصمة دمشق من أجل تدخين النرجيلة واللعب بأوراق الشَدَّة (الكوتشينة).

أشكال المدارس وعلاقتها بنظام الحكم

بُنيت المدارس في سوريا، مثلها مثل باقي المباني الحكوميّة، بهيئات بشعة، بمساحات كبيرة من أجل أن تتسع لأعداد هائلة من الطلاب. هذه الأبنيّة الضخمة لها لون بني ترابي من الخارج، وعادة ما تكون مزيّنة بعبارات تمجّد الديكتاتور حافظ الأسد أو بجمل من أقواله ورسومات تُظهره أو تُظهر أولاده، باسل الأسد الذي مات في العام 1994 في حادث سير، وبشار الذي ورث الحكم خلفًا لأبيه.

عادة ما يكون للمدرسة بوابتان، واحدة تربط البناء بالشارع الخارجي مباشرة، يدخل ويخرج منها المعلّمون والمعلّمات والهيئة الإداريّة، وبوابة أخرى تربط البناء بالساحة (الباحة) المحيطة بالبناء، حيث يجتمع الطلّاب والطالبات في اجتماعات الصباح وفي الفواصل بين الحصص الدراسيّة وفي حصص الرياضة.

تكون هذه الساحة محاطة بسور خارجي، مثل السجون، وترتبط المدرسة بالعالم الخارجي عن طريق بوابة حديديّة كبيرة، تُفتح مرة واحدة في الصباح الباكر لاستقبال الطلّاب والطالبات، ومرة أخرى عند انتهاء الدوام الدراسي ليغادروا/ن المدرسة.

يقسّم البناء المدرسي الذي يرتفع عادة ما بين ثلاث إلى أربع طوابق إلى غرف، وكلّ غرفة تُسمى “شعبة”، ولا يخفى التشابه هنا بين الشعبة المدرسيّة والشعبة الحزبيّة، إحدى تقسيمات حزب البعث العربي الاشتراكي، الحزب المسيطر على الحياة السياسيّة في سوريا منذ ستينيات القرن الماضي.

في كلّ شعبة حوالي 40-55 طالبًا وطالبة، وعلى كلّ طاولة يجلس ثلاثة تلاميذ. تقريبًا لا يوجه المعلّم أو المعلّمة الحديث إلى أحد الطلّاب أو الطالبات بشكل فردي، وذلك لعدم قدرة المعلّمين/ات على تخصيص وقت لكلّ طالب/ة بشكل منفرد.

في الاجتماعات الصباحيّة وقبل بداية اليوم الدراسي، يصطف الطلّاب في صفوف منتظمة مثنى مثنى، طلّاب وطالبات كلّ شعبة في صف واحد، يردّدون الهتافات الصباحيّة والأناشيد الوطنيّة والتحيّات الحزبيّة وعبارات تمجيد رئيس الجمهوريّة، كمثل: أمة عربية واحدة/ ذات رسالة خالدة/ أهدافنا: وحدة، حريّة، اشتراكيّة/ قائدنا إلى الأبد، الأمين حافظ الأسد. أو يقول أستاذ ما: رفيقي الطليعي، كن مستعدًا لبناء المجتمع العربي الموحّد والدفاع عنه، فيجيب التلميذ رافعًا يده اليمنى في تحيّة نازيّة: مستعّدٌ دائمًا.

جواز سفر سورى

. تقريبًا لا يوجه المعلّم أو المعلّمة الحديث إلى أحد الطلّاب أو الطالبات بشكل فردي، وذلك لعدم قدرة المعلّمين/ات على تخصيص وقت لكلّ طالب/ة بشكل منفرد.

غني عن الذكر أنّ المدارس مقسّمة جندريًا، فبعد المرحلة الإبتدائيّة المختلطة، يذهب الذكور منذ بداية المرحلة الإعداديّة وحتى نهاية الحياة المدرسيّة إلى مدارس الذكور، وتذهب الإناث إلى مدارس الإناث، باستثناء مدارس المتفوقين (مدرسة في كلّ مدينة كبيرة) وبعض المدارس الخاصة والأجنبيّة، التي يستطيع فقط الأغنياء جدًا توفير المال اللازم لأقساطها الشهريّة.

والديكتاتوريّة، ومن ناحية أخرى، تصبح السيطرة على المجتمع أسهل، من خلال زرع الخوف الدائم من الزعيم ومن نظام الزعيم ومن صوره المتواجدة في كلّ مكان، وكأنّه يراقب الجميع بشكل مستمر، في أفضل تمثيل لرواية 1984 (2).

الأوضاع الاجتماعيّة في سوريا وعلاقتها بـ”الهروب”

في فيلم “طوفان في بلاد البعث” للمخرج عمر أميرلاي،(3)الذي مُنعت معظم أفلامه من العرض لأسباب رقابيّة، يختصر أميرلاي، الواقع السوري وسيطرة نظام البعث وعلى رأسه حافظ الأسد، ومن ثمّ ابنه بشّار، على كلّ تفاصيل المجتمع، من خلال سيطرته على المدارس. استطاع أميرلاي أن ينظر إلى هذا المجتمع من خلال مجهر دقيق ونظرة مقرّبة على مدرسة في قرية نائية.

في كتابه “التخلّف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجيّة الإنسان المقهور”، والتي يحلّل فيها الدكتور مصطفى حجازي بنيّة المجتمعات المُتخلّفة، يشرح في محاولة منه لفهم العنف الذي يصفه بـ”آفة المجتمع” قائلًا إنّ “السلطة لا تعرف من الأساليب للتعامل سوى الإرهاب والقمع، سوى الإخضاع دون حدود، أو هي تنحى منحى التضليل. ردود فعل السلطة عنيفة ومباشرة، وتأخذ طابعًا ماديًا. البنيّة الاجتماعيّة التي تنتج هذه الوضعيّة جامدة متصلّبة، لا تتضمن أيّ صمامات أمان، أو أيّ تقنيّة للعدوانيّة التي لا بدّ أن تتراكم”، ويضيف لاحقًا إنّ “علاقة القهر بما تتضمنه من قمع وإرهاب وتضليل، تخلّف وضعيّة خاصة جدًا مولّدة للعنف بمختلف وجوهها”(4).

علاقة العنف والقهر التي تعيد توليد نفسها في كلّ طبقات المجتمع في سوريا، تؤدي إلى شعور دائم بالاضطهاد لدى أفراد هذا المجتمع، والذي يعرّفه حجازي(5)بـ”البعد النفسي العلائقي للعدوانيّة. وهو فاعل في اتجاهين: صبّ العدوانيّة على الآخرين والنيل منهم، أو الوقوع ضحيّة لعدوانهم وكيدهم”.

علاقة العنف والقهر التي تعيد توليد نفسها في كلّ طبقات المجتمع في سوريا، تؤدي إلى شعور دائم بالاضطهاد لدى أفراد هذا المجتمع

يشرح ما سبق علاقة العنف التي تُمارس على الطفل السوري في البيت وفي المدرسة وفي جميع دوائر المجتمع التي يُوجد فيها، بعمليّة الهروب التي يمارسها ويتقنها السوريون، فمنذ الولادة ومراحل الطفولة المبكّرة يهرب الأطفال من البيوت خوفًا من العنف المُمارس من الأبوين، ومن ثمّ في سنوات المدرسة يهرب الطلّاب والطالبات من عنف المُدرسين وقمعهم، ولاحقًا، بالنسبة للذكور، يهربون من الخدمة الإلزاميّة خوفًا من عنف الضبّاط المسؤولين، فيما تهرب النساء من العنف الأسري الذي يمارسه الأزواج، كما يهرب الموظفون والموظفات من قمع المدراء، وفي النهاية يهرب الجميع من عنصر الأمن الذي يخاف من ضابطه الأعلى رتبة، هكذا وصولًا إلى رأس هرم السلطة، وكما يقول الكاتب والباحث جاد الكريم الجباعي: “لا يزال الإنسان، في بلادنا، إمّا مطرقة وإمّا سندانًا”(6).

هذه العلاقة التبعيّة القائمة بشكل رئيسي على العنف والخوف، والتي تعمل المؤسسة التعليميّة، بمدارسها وجامعاتها ومعاهدها، على تكريسها تعيد توليد العنف بشكل دائري، فيصير المُعنَّف مُعنِّفًا. عن هذه العلاقة يشرح ممدوح عدوان في كتابه الشهير “حيونة الإنسان” على “إنّ مجتمعات القمع القامعة والمقموعة، تولّد في نفس كلّ فرد من أفرادها ديكتاتورًا، ومن ثمّ فإنّ كلّ فرد فيها، ومهما شكا من الاضطهاد، يكون مهيًّا سلفًا لأن يمارس هذا القمع ذاته الذي يشكو منه، وربّما ما هو أقسى وأكثر عنفًا على كلّ من يقع تحت سطوته”(7).

ديلير يوسف
WRITEN BY

ديلير يوسف

كاتب ومخرج وصحافي من سوريا، مقيم في برلين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.