Der
الربيع العربي: أين الثورة ضد العنصرية؟! download 2 930x500

الربيع العربي: أين الثورة ضد العنصرية؟!

ads - إعلان - annonser

يصادف هذا العام مرور عشر سنوات على بدء الربيع العربي الذي غيّر المنطقة والعالم. الفتيل أشعله البوعزيزي في تونس عندما أحرق نفسه وأحرق معه الخوف الذي حاول الحكام العرب بثه في قلوب المواطنين على مدار العقود الماضية، ليبدأ تساقط أنظمة بدا التخلص منها قبل بضع سنوات أمراً شبه مستحيل.

لم يكن التغيير الحاصل في المنطقة تغييراً سياسياً فقط
، بل يمكن القول إن الربيع الثوري أحدث ثورة اجتماعية بدت الحاجة لها ماسة وضرورية. الرغبة في تحقيق العدالة السياسية رافقه رغبة كبيرة في إحداث عدالة اجتماعية على كل المستويات.

الربيع العربي: أين الثورة ضد العنصرية؟! picture 395374 1569576901 1
كتب النص
نسيم عبيد: حاصل على دكتوراه في اللسانيات ومدرس اللغات السامية في جامعة بيرغن.
الربيع العربي: أين الثورة ضد العنصرية؟! osama shaheen
أسامة شاهين: محرر في دار



ورغم محاولة الثقافة إعادة قراءة نفسها حتى تتخلص من رواسب الدكتاتورية، إلا أنّ الأمر لا يبدو جدياً عندما يتعلق الأمر بالعنصرية. في عام 2020 ورغم اهتزاز العالم لجريمة قتل الأميركي جورج فلويد، إلا أن العالم العربي بشقيه الحقيقي والافتراضي انتقد الظاهرة في الغرب فقط ورافق ذلك محاولة خجولة لانتقاد العنصرية في الدول العربية، والتي تم الحديث عنها في نطاق استعماري.


الاستعمار الغربي ملام بالتأكيد في جزء من العنصرية الموجودة في المجتمع العربي من خلال إرجاع فكرة الجمال إلى البياض والقبح إلى السواد وتفضيل بعض المجموعات العرقية على أخرى. ولكن مع ذلك، لم يكن الاستعمار هو العامل الرئيسي الذي شكل هوية وتصورات العرق في المنطقة، بل كانت أيديولوجية القومية العربية القسرية هي التي أسست لهيمنة هوية عربية عرقية محددة طاغية على كل الهويات الأخرى. ساهم ذلك في التمييز الاجتماعي والاقتصادي المنهجي وخلق تسلسل هرمي عرقي صارم، مما جعل السود في موقع تابع داخل المجتمع العربي.

صاحب المتجر العربي:


كتب ريماز خليليال وهو منظم لتجمع الجالية السودانية في الولايات المتحدة:
لقد بقينا هادئين لفترة طويلة ولكن الآن يبدو أننا بحاجة إلى التحدث … لا أحاول تفريقنا ولكنها الحقيقة أننا تمزقون في الأساس يا عمو
الرسالة وجهها ريماز لصاحب المتجر الذي تم اقتياد جورج فلويد منه كون أن الرجل عربياً وهو الذي قام بإبلاغ الشرطة حول الضحية.

يتابع ريماز رسالته:
عزيزي يا عمو، ليكن في علمك أن غالبية العرب البيض عنصريون! أعلم تماماً أنه من غير المريح قراءة هذه الجملة، وأنا أعرف أنك قد لا تكون واحد من أولئك العنصريين. ولكن لنكن واضحين، العنصرية ضدنا هي في المنازل العربية، والأفلام العربية، والكوميديا العربية، واللغة العربية، حتى في الطريقة التي قد يشير إليها شعبك وينظر إلينا على أننا عبد أو زنجي. لم يكن الأمر مضحكًا أبدًا – ويجب أن نتحدث الآن عن هذا

السينما والعنصرية:

بالعودة إلى النقطة التي أشار إليها ريماز في رسالته إلى صاحب المتجر العربي، نتذكر أحد أبرز أفلام الكوميديا العربية في التسعينات “صعيدي في الجامعة العربية” والذي تتم الاستعانة به وبمشاهد منه أثناء الاستراحات أو أثناء عرض كلاسيكيات الماضي. الفيلم اكتسب شهرة كبيرة ويعتبر صاحب أعلى إيرادات في تاريخ السينما المصرية. في أحد مشاهد هذا الفيلم يقول بطله محمد هنيدي لبائعة هوى سوداء تجلس بجانبه: “لماذا قمتي بإطفاء الضوء، فلون بشرتك داكن أساساً
في الفيلم نفسه ربط هنيدي بين الأشخاص أصحاب البشرة السوداء وسوء الطالع، وذلك عندما قال “المرأة ماتت بسبب وجهك الأسود
عاد هنيدي واستخدم السخرية من العرق الأسود مرة أخرى كوسيلة لإضحاك المشاهدين، وذلك عندما يقوم بترديد جملة “هل هناك قطع في الكهرباء أو ماذا” وذك أثناء متابعته لمجموعة من سود البشرة يخرجون من النادي الليلي في فيلم أفريكانو عام 2001.
ليس هنيدي الوحيد بالتأكيد، فالقائمة طويلة جداً. الخطاب العنصري اتجاه أصحاب البشرة السوداء في العالم العربي عنيف جداً واستخدام “الوجه الأسود” منتشر على نطاق واسع.
كيف دخل “الوجه الأسود” الثقافة العربية هو أمر غير معروف بشكل كامل. يُعتقد أن المستعمرين البريطانيين جلبوها إلى مصر في ثمانينيات القرن التاسع عشر.

الأمر انتقده الفنانون السودانيون مبكرا، نذكر من بينها مقال للفنان السوداني عثمان حسين في أكتوبر عام 1952 شجب فيه التمثيل السينمائي المصري للسودانيين، والذي اقتصر على دور “الخادم أو البواب الأبله”. وتساءل عن سبب عدم إعطاء صانعي السينما في مصر أدوار أخرى للممثلين السودانيين كتلك التي يلعبها الممثلون اللبنانيون أو السوريون.
ما تحدث عنه عثمان حسين ما زال صالحاً حتى الآن بعد 70 عاماً!

لم يتوقف الأمر عند السخرية، بل إن محاولات تمثيل الآخر كانت واضحة في الأفلام المصرية فيما يدعوه المفكر إدوارد سعيد في كتابه الثقافة والإمبريالية:” روايات سلبية عن الآخر لتعزيز الملكية الجغرافية للمكان”


لا حديث عن العنصرية:

على الرغم من تواجد تصوير سلبي واضح عن الأشخاص ذوي البشرة السوداء واستمرار وضاح للصور النمطية ضدهم، إلا أنه لا يوجد أي نقاش عام حول هذا الموضوع داخل المجتمع العربي. على محرك الغوغل ستظهر لك نتائج مخجلة في حال أردت القراءة عن هذه الظاهرة وتواجدها الفعلي بين الناس. على العكس من ذلك، ستجد إنكار صريح لوجود مواقف عنصرية في الثقافة العربية وإنكار لاستخدام مصطلحات مهينة أكثرها شيوعًا هي كلمة “عبد” و “الخادم”. اللغة العنصرية هذه هي إرث لتاريخ طويل من العبودية في المنطقة.
أسباب عديدة قد تقف خلف هذا، ربما يكون السبب الأساسي لقلة الدراسات حول العنصرية في العالم العربي هو الخشية من مواجهة واقع مؤسف تعيشه المجتمعات العربية منذ العصر الجاهلي حتى الآن، فالقبلية والعشائرية ما تزال مترسخة في المجتمع العربي، والفوقية فيما بينهم جعلت الناس تتحزب لعنصرها أو قبيلتها أو عشيرتها أو حتى مناطقيتها، والحق يقال إن العبودية لم تزل راسخة في الذاكرة الجمعية لدى المجتمع العربي لذلك كان من السهل على المستعمر ان يجد أرتالاً من المؤيدين لأفكارهم وصولاً للحكام العرب.

عند محاولة الحديث عن الأمر في المجالس الخاصة يتم إنهاء النقاش مسرعاً باستخدام قصة بلال بن رباح وهو العبد الأسود الذي أصبح المؤذن الأول في الإسلام. الأمر صحيح وتعزيز الخطاب الإسلامي الإيجابي حول شخصيات كبلال والنجاشي ملك الحيشة كان له أثر كبير في ذلك الوقت.
حيث شكل قدوم الإسلام فرصة عظيمة للمسحوقين وفرصة لإعادة الاعتبار الإنساني لهم، وذلك عندما سنحت لهم إمكانية مشاركة الهوية مع سادة القوم. خصوصاً وأن الشرف في الهوية الناشئة يتعلق أولاً وآخراً بالإيمان والتقوى دون التفات إلى الجاه والأنساب.

غير أن ذلك لم يمنع أنساق المجتمع الثقافية المترسبة من الظهور وأصبح الناس يعيشون تحت نسقين ثقافيين مختلفين، الأول هو نسق الثقافة الموجودة الموروثة والثاني هو نسق ثقافة الدين.
حاولت الصوفية بعد ذلك في مراحلها الأولى إقامة مجتمع متساو بين أفراده حيث يذوب الناس كلهم في بوتقة واحدة وهي الحب الإلهي، فالكل سواسية والكل مرآة لجمال الخالق، في تنوعها تكمن وحدتها، ولا فرق بين أعجمي وعربي أبيض أو أسمر أو أسود، مع إلغاء العبودية والرق. استمرت هذه المحاولات مرورا بحركة القرامطة في سعيها لذلك في مراحلها الأولى قبل أن تتغير أهدافها لاحقاً في القرن الرابع الهجري.

لم يتوقف الأمر عند ثنائية “سيد-عبد” بل ذهب الأمر للبدء بالكتابة عن الآخر ومحاولة وصفه. يشبه الباحث البحريني نادر كاظم خطاب العرب حول السود بالاستشراق الغربي بالرغم من كونه تقليدًا أقصر. الباحث البحريني لاحظ أوجه تشابه واضحة بين الاستشراق الأوروبي والإفريقية العربية كما يسميها.

اللغة العربية والحاجة لثورة ذاتية:

على الرغم من أن العبودية اشتملت على أعراق وألوان مختلفة في الثقافة العربية القديمة، فإن مصطلح “عبد” باللغة العربية يرتبط فقط بالأشخاص ذوي البشرة السوداء.

غالبًا ما يتم تجاهل اللغة كواحدة من أهم الوسائل الثقافية نحاول من خلالها التميز عن الآخرين. تحدد اللغة التوازن الثقافي للمتحدث بها، لكنها تتأثر بالثقافة أولاً وقبل كل شيء. لذلك فإن تغيير هذه الثقافة بمرور الوقت يجب أن يكون مصحوبًا بتغيير في اللغة، وهو أمر لا نلاحظه مع اللغة العربية. الدراسات الحديثة حول العنصرية بالعربية تكاد تكون معدومة، على الرغم من أن هذه الظاهرة قد تم تحليلها بدقة في العديد من اللغات الأخرى.

كما أن غياب المناقشة جعل من الصعب وصف الظواهر التي تقوم عليها العنصرية. الكسل الذي رافق اللغة العربية منعها من إيجاد ترجمة لعدة كلمات، وكتبها فقط كما تنطق باللغات الأخرى ولكن بحروف عربية.

عندما نقول إن اللغة العربية بحاجة إلى ثورة خاصة بها من أجل العنصرية، فهذا يعني ثورة اجتماعية تؤثر على اللغة. والسبب كما يقول علماء اللغة، هو أن اللغة انعكاس للمجتمع، وإذا لم يتغير المجتمع ويكافح هذه الظواهر، فلن يتم تنشيط اللغة انعكاسًا لهذا الاتجاه. لذلك يجب أن تكون الثورة أولاً في الفكر العربي والعادات القبلية والعنصرية للمجتمع التي تكمن فيه منذ عصر ما قبل الإسلام. إذا حدث هذا، فسوف نلاحظ التأثير على اللغة العربية.

لدى العالم العربي أسباب عديدة لبدء حوار فعال حول العنصرية. قد يكون الشعور المتزايد بالظلم الذي تختبره هوياتنا هو السبب الأول لمحاولة تصحيح أنفسنا. لا يمكن انتقاد ما نتعرض له دون أدنى محاولة لمعرفة ما يمكن أن تؤديه أقوالنا وأفعالنا على الآخرين.



Gjesteskribent كاتب ضيف

Gjesteskribent كاتب ضيف

أضف تعليقًا