Der
المهاجرون ومراكز صنع القرار Ashham Alwany 1

المهاجرون ومراكز صنع القرار

ads - إعلان - annonser


ورد المقال في العدد الثاني من مجلة دار الذي صدر في الرابع من مايو/أيّار وحمل عنوان العنصرية.
المزيد حول الإصدار عبر الرابط أدناه:

كاتب المقال:
أشهم علواني: طبيب، ومقدم بودكاست الجعبة

المهاجرون ومراكز صنع القرار Ashham Alwany



لقاء العقول  أو (MOFTminds) هو اسم سلسلة من اللقاءات والجلسات الحوارية التي تنظمها دار الثقافة في بيرغن مع (Slam Poetry Bergen) .عقب حادثة القتل الوحشي لجورج فلويد في 25 مايو 2020 وما تلاها من حالة الغضب العام التي اجتاحت جميع أصقاع العالم، بدأت لقاء العقول بسلسلة من الجلسات الحوارية حول العنصرية في الإطار العالمي والنرويجي. في الجلسة الثالثة أتيحت لي الفرصة لطرح سؤال على المشاركين في الجلسة. كان السؤال على النحو التالي: “وفقاً للمكتب المركزي للإحصاءات في النروج (SSB) وحتى عام (2020)، تبلغ نسبة المهاجرين في النرويج (14.7%). أيضاً يوجد في النرويج (188757) طفل لوالدين مهاجرين، وبذلك تكون نسبة (18.2%) من سكان البلاد هم من المهاجرين وأبناء المهاجرين. الآن دعونا نلتفت قليلا للبرلمان النرويجي (Stortinget)، من أصل (169) عضو في البرلمان هناك فقط (4) أعضاء ليسوا من العرق الأبيض، هذا يعادل نسبة (2.3%). في حكومة آرنا سولبرغ هناك وزير واحد فقط ليس من العرق الأبيض من بين العشرين وزير المكونين للحكومة، هذا يعادل نسبة (5%). السؤال هو: لماذا هنالك تمثيل ضئيل جدا للمهاجرين في أعلى مناصب السلطة في النرويج؟.

يمكنني أن أفكر بسببين إثنين وراء هذه القضية. الأول أن هذا الأمر مؤسساتي أو منظم، بمعنى أن المهاجرين يواجهون نظاماً اجتماعياً – سياسياً يمنع وصولهم إلى أعلى مناصب السلطة. كريستين ثورسين، أحد أطراف الجلسة الحوارية والمدير التنفيذي لـ (Kirkens Bymisjon Empo)، تقول بأن هذا التساؤل مطروحٌ مسبقاً والإجابات التي تأتينا رداً عليه، بشكل غير علني طبعاً، تتحدث عن الخطورة الكامنة وراء إعطاء مثل هذه الفرصة لشخص (لمّا يفهم بَعدُ الصورة الكاملة)، سيتساءل الناس ما الذي سيجلبه؟ قد يكون أكثر أمانا ربما أن ننتظر جيلاً او حتى جيلين لنضمن فهمهم للمجتمع. “هذا بالطبع على الرغم من وجود عدد كبير من المهاجرين المؤهلين والمهتمين والذين سيكونون مرشحين مميزين إذا أتيحت لهم فرصة دخول المعترك السياسي” تقول كريستين.

السبب الثاني هو ما اعتاد بعض السياسيين المحلّيين قوله عند سؤالهم عن هذا الأمر: “المهاجرون ليسوا مهتمين بالسياسة”. هذا الادعاء يدفعني لأطرح سؤالاً إضافياً، لماذا لا يود المهاجرون أن يدخلوا الحقل السياسي؟ وهنا أتحدث عن المهاجرين وذريتهم الذين تتضخم المشكلة عندهم، لماذا؟ لأنهم وُلِدوا ونشأوا في النروج، درسوا في مدارسها وجامعاتها، فما الذي يجعلهم مختلفين عن باقي النرويجيين من أبناء جيلهم؟. قد يعتقد البعض أن السبب في ذلك هو انعزال المهاجرين في مجتمعاتهم المغلقة وغير المندمجة والتي يحبسون أنفسهم فيها لأجيال، ولكن مرة أخرى، ما الذي دفعهم أساساً لتأسيس هذه المجتمعات؟
على الرغم من وجود العشرات من الإجابات المختلفة لكل واحد من هذه الأسئلة، إلا أنني أعتقد أن هنالك إجابة مشتركة لكل الأسئلة مجتمعة ألا وهي فقدان الشعور بالانتماء. وفقًا لعلم النفس الاجتماعي، فإن العديد من احتياجات الإنسان، مثل الحاجة إلى السلطة والتقبل والإنجاز، مدفوعة أساسا بالحاجة إلى الانتماء. وبالتالي، فإن الانخراط في السياسة هو فعل انتمائي، والتصويت في الإنتخابات أيضا هو فعل انتمائي. ولكنك حين تفقد إحساسك بالانتماء، تميل إلى عزل نفسك عن المحيط غير المرحب بك، وليس ذلك فقط، بل وتنشئ محيطاً بديلاً أكثر ترحيباً.
أحد الأسباب وراء فقدان الشعور بالانتماء يكمن في اللغة ذاتها، وهنا أعني كلاً من الاستخدام الحرفي والمفاهيمي لمصطلح مهاجر (Innvandrer) إن هذا المصطلح يقيّد الناس بمكان واحد طوال حياتهم. يربطهم بحاضر دائم قائم أساساً على حادث في الماضي، فأنت لم تدخل البلادَ مرة واحدة، ولكنك تدخلها باستمرار. قد لايختلف هذا المعنى عن أي اسم فاعل في اللغة العربية، فكلمة “وافد” تعطي دوماً شعور الحاضر. في هذا السياق لابد من سرد حادثة جرت بين إمرأة مهاجرة وبروفيسور مختص بلغات الشمال. تواصلت المرأة المهاجرة مع البروفيسور لتناقشه بمفهوم كلمة مهاجر(innvandrer) .تقول أنها ولدت ونشأت في الهند ولكنها عاشت في النروج لسنوات عديدة، “لقد عشت في النروج لفترة طويلة جدا، أنا الآن أعرف النروج جيدا، وأصبحت مواطنة نرويجية، أريد أن أعرف، هل مازلت مهاجرة؟. أجاب الدكتور وبدون تردد:” نعم! وذلك بناءاً على التعريف المعجمي للكلمة. لقد ولدت وترعرعت في الهند، وهذا يجعل منك مهاجرةً إلى النروج”.
المشكلة أن كلمة (Innvandrer) اليوم ليست كلمة في القاموس وحسب، ولكنها أيضا مفهوم قوي يستخدم لوصفهم هم، أي الآخرين. وفقاً للمعنى المعجمي يشمل هذا المصطلح كل الوافدين إلى النروج، وهذا يتضمن مواطني السويد والدانمارك وغيرهم من الأوربيين أيضاً. ولكن في وسائل الإعلام والحياة اليومية يبدو أن للكلمة معان إضافية أكثر ضيقاً من هذا المفهوم الواسع، إنها تعطي الانطباع بالعالم الثالث، بالقيم المختلفة، بالبشرة الداكنة والعمالة غير الماهرة. مشكلة أخرى تكمن في هذا المفهوم ألا وهي أنه لا يقتصر على المهاجرين أنفسهم بل يمتد ليشمل أبناءهم الذين ولدوا وترعرعوا في النروج وعندهم تحديدا، أي أبناء المهاجرين، تتعقد أزمة الانتماء إذ أنهم يشعرون بأنهم غير مقبولين كنرويجيين عاديين حتى من الإحصاءات الرسمية التي تشير إليهم باستخدام مصطلحات مثل الجيل الثاني من المهاجرين أو النراوجة المولودين لأبوين مهاجرين.

المشكلة أن كلمة (Innvandrer) اليوم ليست كلمة في القاموس وحسب، ولكنها أيضا مفهوم قوي يستخدم لوصفهم هم، أي الآخرين.


كان تصوري المسبق عن النروج مستوحى من كونها تتشارك مع أخواتها الإسكندنافيات رأس قائمة الدول الأكثر مساواة في العالم بأسره، ولهذا أجد الوضع على أرض الواقع مثيراً للدهشة. في بحث تحت عنوان الأسوار الخفية: المساواة والقومية والعنصرية ، تتعمق أخصائية علم الاجتماع والأنثروبولوجيا ماريانه غوليستاد في مفهوم المساواة في السياق النرويجي. وفقاً لما تقول فإن المفهوم الأساسي هو (Likhet)، وهي الترجمة الأكثر شيوعاً لـمصطلح “المساواة”. إن هذا المفهوم يعطي انطباعاً بالتشابه، من كلمة (lik)، بمعنى أنه يجب على الناس أن يشعروا بأنهم متشابهون لكي يشعروا بقيم متساوية. ولكن هذا المفهوم تجاوز غاية المساواة ليصبح طريقة شائعة لتأكيد القيمة الذاتية للفرد. لنشرح ذلك قليلاً، كما هو معلوم فإننا نحتاج إلى مجموعة مقارنة خارجية من أجل تقييم القضية قيد الدراسة. هذا يعني أنه من أجل تأكيد قيمة الفرد لذاته، يحتاج المرء إلى أشخاص “ذوي صلة” أي مشابهين له إلى حد ما. يوصلنا هذا المفهوم إلى نموذج اجتماعي يتم فيه توكيد أوجه التشابه والإصرار على إظهاراها. لكي تكون “مشابهاً لنا” يجب أن تَظهر بشكل مشابه. ليس من الصعوبة بمكان أن نتتبع حالة التركيز على التشابه في الحياة اليومية، فهي واضحة تماماً في اختيارات الملابس وديكورات المنزل الداخلية والخارجية وما إلى ذلك. الإشكالية في هذا النموذج الاجتماعي تكمن بأنه يخلق عقبات في طريق التعامل مع الآخرين “المختلفين جدا”. إذ يتحول اختلافهم إلى “تهديد” مباشر لقيمتي الفردية، وبالتالي فأنا أميل إلى تجنبهم. عندما يتم تجاوز الاختلافات بتجنب أولئك الذين يُنظر إليهم على أنهم مختلفون للغاية يصبح الخط الفاصل بين النرويجيين والمهاجرين أكثر وضوحاً. وكلما كان هذا الخط أكثر وضوحاً، كلما قل شعور المهاجرين بالانتماء للمجتمع.

قد يقترح البعض نظام المحاصصة أو الكوته كحل سريع لقضية التمثيل المنقوص للمهاجرين في مناصب السلطة، لكن هذا ليس هو الحل الناجع، فهذا يوقعنا في فخ “الشكل السام” من سياسات الهوية. الحل المثالي، برأيي، يبدأ بمنح الناس حق الوصول المتكافئ إلى الحقل السياسي، وهذا قابل للتنفيذ فقط من خلال الكفّ عن رؤية السياسة على أنها لعبة ذات محصلة صفرية، إذا حصل المهاجرون على المزيد من الحقوق، فلن يخسر السكان المحليون تلقائياً حقوقاً بالمقابل. الفكرة هي أن يكون لدينا نظام سياسي اجتماعي بنّاء وشامل وليس مفكِكاً أو مسبباً للانقسام.

أخيراً، يجب أن أقول إنه يوجد دوماً وجهان لكل قصة، وهذه بالتأكيد ليست استثناءً. أود الآن أن أطرح سؤالي عليك. ما هي برأيك الأسباب الكامنة وراء التمثيل الضعيف للمهاجرين في مناصب السلطة في النرويج؟

Gjesteskribent كاتب ضيف

Gjesteskribent كاتب ضيف

أضف تعليقًا