Der
الاستشراق في الصورة: قراءة في الأفلام ذات الإنتاج الغربي عن سورية 2021 01 23 2 1370x500

الاستشراق في الصورة: قراءة في الأفلام ذات الإنتاج الغربي عن سورية

ads - إعلان - annonser

يَطرح الصراع الدولي وتفاهُماته في سوريا، أسئلةً حول تعاطي الغرب مع ثورات الشرق المضطربة. تُحاول هذه المقالة تلمس شكل هذا التعاطي في الأفلام ذات الإنتاج الغربي عن سورية، ذلك أن العديد من مؤسسات الغرب (الثقافية، الفنية) ساهمت في بناء المشهد حول “مروية الثورة”، فكيف ظهرت الثورة في هذه الأفلام؟

كتب المقال:
عروة المقداد، مخرج سوري له عدد من الأفلام، آخرها “300 ميل”

نشرت هذه المادة للمرة الأولى على موقع حكاية ما انحكت/ syriauntold. وهي تنشر هنا بالتعاون والاتفاق معهم

يَطرح الصراع الدولي وتفاهُماته في سوريا، أسئلةً حول تعاطي الغرب مع ثورات الشرق المضطربة، وإذ تمثل بلاد الشام ومصر والعراق مركز الشرق القديم، فإن سوريا هي التمثيل الأبرز لهذا الشرق، حيث تُركت ثورته الوليدة فريسة نزاعاتٍ إقليمية، تطورت على مدار السنوات الماضية إلى صراع ٍ دوليٍ متعدد الأطراف.  تُحاول هذه المقالة تلمس شكل هذا التعاطي في الأفلام ذات الإنتاج الغربي، ذلك أن العديد من مؤسساته (الثقافية – الفنية) ساهمت في بناء المشهد حول “مروية الثورة”، واستطاعت هذه الأفلام الحضور على نطاقٍ واسعٍ عالمياً. وذلك ما يدفعنا للسؤال عن سبب البرود المفزع تجاه الضحايا على الرغم من الحضور العالمي لصورتها لذا سنحاول تفكيك هذه “الصورة” في الأفلام من الناحية الإنتاجية وسياقها السياسي لنستطيع الإجابة على السؤال الآنف الذكر.

الجميل/ القبيح… الثائر/ الضحية
بنت الثورة السورية في سنواتها الأولى تصوّر (الجميل)، النابع من اكتشاف الذات والآخر، المرتكز على رغبة الحرية والعدالة والمساواة (المواطنة)، والذي تجسّد بمختلف مستويات التعبير عن الذات (رقص، غناء، سخرية، مظاهرات, لافتات وغرافيتي..). اصطدم (الجميل) في الثورة مع (القبيح) الذي جسده النظام متخذاً العنف وسيلة للتعبير عنه. انعكست تلك العلاقة في الناتج الفني للثورة, على الرغم من عدم احترافيته في بعض الأحيان، إلا أنه ضج بصورة الجميل عن الذات، ومحاولة التعبير عن تطلعاتها. وفي هذه المواجهة بين الجميل والقبيح برز الفرد في الثورة كجزء من الذات الجماعية، تماهى فيها وتمايز عنها في ذات الوقت، ليُغيّب (الجميل) مفهوم البطل أو الفرد الخارق الاستثنائي، فيما جسّد (القبيح) الفردية المطلقة التي تجلّت في تقديس رأس النظام ومصالح الفرد الأنانية التي تطغى على المصلحة العامة.

ومنذ اندلاع (الثورات، الثورة) تعامل الغرب ببرود مع هذا التصور (الجميل)، وشكّك بقدرته على تشكيل بديلٍ عن (الحكم الدكتاتوري، التطرف الإسلامي).  وأمام هذا الموقف المشكك، مارس النظام على السوريين عنفاً علنياً غير مسبوق في العصر الحديث. وعلى الرغم من النداءات والتطمينات المستمرة من شباب الثورة، والتوثيق البصري الهائل للمجازر التي ارتكبها النظام في محاولة لاستعطاف الغرب ودفعه لدعم محاولات التخلص وتغيير النظام، إلا أن  الغرب غسل يديه من دماء السوريين دافعاً مسار ثورتهم نحو إشكاليات معقدة غذاها النزاع الإقليمي والتدخل السياسي الغربي، والإشكاليات في تراث المجتمع الممزق جراء حكم البعث، حيث فجر النظام تلك الإشكاليات في وجه الثورة الوليدة.

تتحول الضحية إلى شيء ما شبحي، مجردة من قوة الذات التي تمتلك موقفاً أخلاقياً وسياسياً واضحاً، تضحي في سبيله بكل ما تملك، وتُحوّل الثائر إلى (هارب، نازح، لاجئ) يحتاج مد يد العون للنجاة من جحيم الصراع

انعكس هذا البرود من الناحية السياسية في ضخٍ إعلاميٍ عالمي، بدأ يركز على مفهوم (الصراع العنيف، الحرب الأهلية)، ذلك أن مفهوم “الصراع” يحيل في الأذهان إلى طرفين متكافئين يسقط في اشتباكهما ضحايا مدنيين مجردين من الموقف السياسي والأخلاقي. وقد مثّل هذا التوجه الركيزة الأولى لتبرير البرود الغربي تجاه المجازر والعنف الذي مزّق الثورة تدريجياً. وتبعاً لهذا التوجه انقلب مفهوم (الجميل/ الثائر) إلى مفهوم (الضحية) التي ستشكل طرفاً ثالثاً من الصراع، مجرداً من الموقف الأخلاقي والسياسي. وعندما ترسخ هذه المفهوم عالمياً، بدأ الموقف الدولي ينحدر إلى أسفل درجات البرود في التعامل مع عنف النظام المتصاعد. نحن إذا أمام صراع سياسي لطرفين متساويين يسقط فيه ضحايا تحتاج إلى مساحة محايدة من الدعم للبقاء على قيد الحياة. تتحول الضحية بهذا التوصيف إلى شيء ما شبحي، مجردة من قوة الذات التي تمتلك موقفاً أخلاقياً وسياسياً واضحاً، تضحي في سبيله بكل ما تملك، وتُحوّل الثائر إلى (هارب، نازح، لاجئ) يحتاج مد يد العون للنجاة من جحيم الصراع. عند هذه المرحلة غُيّب مفهوم (الجميل) الجماعي، ليحل محله البطولة الفردية (الناجي) من الحرب، الفار نحو الطرف الآخر (المنفى)، الراغب في الاندماج وتجاوز الحرب. وستبرز في هذه المرحلة منظمات المجتمع المدني والمؤسسات الإعلامية والثقافية التي ستتبنى هذا المفهوم (الإنساني) المحايد وستعمل على الترويج له وضخ نتاج ثقافي اجتماعي يعبر عنه.

الاستشراق في الصورة: قراءة في الأفلام ذات الإنتاج الغربي عن سورية 2021 01 23 3 1024x455
الاستشراق في الصورة. حكاية ما انحكت



“التغطية” على الإبادة

لم تكن مأساة الثورة السورية الوحيدة التي قوبلت بهذا البرود في العصر الحديث، ولكن ربما تكون المأساة الأولى الموثقة بكم هائل من الصور ومقاطع الفيديو والأفلام (المعلومات). هذا البرود ليس الأول من نوعه تجاه كوارث سياسية وأخلاقية حدثت في العالم، إذ يشرح نعوم تشومسكي (501  سنة من الغزو) تعامل الغرب مع ضحايا المجازر التي ارتكبت في إندونيسيا على يد نظام (سوهارتو)، حيث قدرت أعداد الضحايا بما يتجاوز المليون قتيل، وعبّر عن ذلك قائلاً: “عندما يعتبر الضحايا دون منزلة البشر – وحوش برية في أشكال أدمية – شيوعيون إرهابيون – أو أي شيء موافق للموضة السائدة فإن إبادتهم لا تحمل أي وخزٍ للضمير”.

تضمن هذا المقطع توصيفاً أولياً لفهم البرود الغربي تجاه الضحايا. وهو قائم على موازنة المصالح بالدرجة الأولى ثم تشكيل صورة توافق البرود أو الحماس حول الضحايا. ثم يفند تشومسكي في كتابه (501  سنة من الغزو) تهليل الصحافة العالمية لسوهارتو والتقليل من فعل القتل الذي ارتكبه بحق ملايين من أنصار الحزب الشيوعي. وليكتمل هذا البرود لابد من تجريد الضحية من القدرة على استحقاق وصناعة مستقبلها.

يشرح هذه الفكرة إدوارد سعيد في كتابه (الاستشراق) حيث يورد جزء من خطاب بلفور حول ضرورة (احتلال مصر) ليحلل علاقة الإخضاع، القائمة على أساس معرفة الآخر (الغرب) لنا (الشرق). المعرفة التي تمنحه سلطة فوقية لاستلام زمام شؤونه وتشكيله وفقاً لما ينبغي أن يلزم. هذه المعرفة تتضمن الفوارق الأساسية بين الشرق والغرب، ذلك أن الغرب لديه القدرة على إنتاج الحكم الذاتي فيما يفتقد الشرق لتلك القدرة، وهو ساقط في حكم (الاستبداد) المطلق. مع الفارق الزمني بين خطاب بلفور والثورة السورية، نجد أنّ الشرق القديم مازال متروكاً لحكم الطغيان، ذلك أنّ حركات التغيير التي خلقت إبان هذا الحكم، لا تمتلك المعرفة الكافية لإدارة ذاتها ولا صياغة تصورات ذاتية عن أفكارها وأحلامها ومشاريعها، ولا تستحق دعمها بشكل حقيقي وفاعل. ولعل التجلّي المماثل لهذا الخطاب الاستعماري القديم في الوقت الراهن، حديث غالبية الفاعلين في السياسة الغربية عن عدم وجود بديل لحكم بشار الأسد.

لترسيخ هذه الفكرة كان لابد من التركيز على أن السوريين المطالبين بتغيير نظام الحكم، غير قادرين على إنتاج البديل السياسي والأخلاقي للنظام، والصورة التي تغذي هذا الإحساس لدى الرأي العام هو تقديمهم كضحية.  وعند هذه النقطة نستطيع أن نستشف صورة الثورة في هذه الأفلام، التي يمثل الإنتاج الركيزة الأساسية فيها.

الأفلام السورية.. من المحلي إلى العالمي
انتقلت صناعة الأفلام السورية في الثورة من محاولات الإنتاج المحلي إلى الإنتاج العالمي. وقد شكل الإنتاج الركيزة الأساسية في عملية بناء الصورة في هذه الأفلام من ناحية التركيب والتوزيع الترويج. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الأفلام هي فن قائم على الصناعة حيث كتب المخرج البريطاني بول روثا “أن السينما هي المعادلة الإشكالية الكبرى بين الفن والصناعة”، والسينما كما يقول الناقد الأمريكي جفري نويل سميث “هي فن مصبوغ بالصبغة الصناعية، ولا يمكننا فهم الأفلام دون فهم السينما وليس بإمكاننا فهم السينما دون أن ندرك على أنها على نحو أكثر من أي فن آخر هي دائماً تحت رحمة قوة خارج السيطرة عليها”. ويضيف “بأن مطالب الفن والصناعة في السينما ليست متساوية، كما أنها متعارضة بالضرورة، وهذه المصالح ليست متكافئة فالسينما شكل صناعي فني طوّر وسائل صناعية لإنتاج الفن، حيث أن هنالك العديد من الأفلام المشكوك في قيمتها الفنية وهنالك أفلام في تعارض مع قيم الصناعة”.

لم تكن مأساة الثورة السورية الوحيدة التي قوبلت بهذا البرود في العصر الحديث، ولكن ربما تكون المأساة الأولى الموثقة بكم هائل من الصور ومقاطع الفيديو والأفلام (المعلومات)

ويمكننا أن نضيف أنه لا يمكن فصل ما تنتجه السينما كفن صناعي يؤرخ للحياة الحديثة عن دوائر إنتاج القرار السياسي، وإن هذا النقطة التي يشير إليها سميث، الذي عمل على تأريخ السينما، هي نقطة جوهرية لفهم العلاقة بين الإنتاج والمحتوى في الأفلام السورية ذات الإنتاج الغربي.

أفلام سورية لكنها ليست سورية!

تسجل حقوق ملكية الأفلام والشروط القانونية الخاضعة لها تحت بند (البلد المنتج)، أي أنها من الناحية القانونية والإنتاجية تحمل تمثيل البلد المسجلة فيه وتخضع لقوانينه ولشروط حضوره في المهرجانات وشبكات البث التلفزيوني. إن هذه المسألة في غاية الحساسية، فحضور هذه الأفلام لا يتم على أنه أفلام سورية وإنما أفلام غربية عن سوريا. ولا يمكننا مقاربة هذه الأفلام من وجهة نظر المخرج فقط، لا سيما أن صُناع بعض هذه الأفلام بدأوا أفلامهم بالشراكة مع مخرجين أجانب، وبإنتاجات مادية ضخمة وضمن فرق عمل إنتاج محترف، يعمل على ترويج هذه الأفلام وتوزيعها. إذاً نحن أمام صناعة غربية عملت منذ السنة الثانية للثورة على تشكيل صورتها لدى الجمهور الغربي، لذا لنحاول التعرف على بنية هذه الصورة.

تفريغ الحكاية من حكايتها

عند صناعة فيلم ما، هنالك سؤال أساسي حول طبيعة الجمهور المستهدف. وباعتبار أن الجمهور لهذه الأفلام هو جمهور غربي، تقترح الجهات الإنتاجية تبسيط القصة المعقدة للجمهور. حيث تشترك أغلب هذه الأفلام بوجود شخصية رئيسية تكافح ضمن حرب دموية لا نعرف عن هذه الحرب سوى عناوين رئيسية يعرفها جميع السوريين المعارضين للنظام. تكافح هذه الشخصية من أجل الانتصار دون أن تلامس أياً من الإشكاليات الأساسية التي تواجه هذه الشخصية. إن تناول هذه الإشكاليات سيضع الجمهور أمام أسئلة معقدة ستخلق لديه إرباكا، لذا تبعد جهات الإنتاج هذه الأسئلة وتختصرها إلى معادلة بسيطة (البطل فردي أو أفراد في مواجهة الموت). أي أن القيمة الوحيدة التي يركز عليها، هي شجاعة البطل في عبثية وضبابية ما يحدث.
يخلق ذلك التصور لدى الجمهور مشاعر التعاطف المفرطة أمام الشجاعة الاستثنائية للبطل. (البطل) هنا فرد. نحن لا نعرف إذا كان صراعه للحرية والعدالة هو مطلب جماعي، ذلك أن المشهد خارج الفيلم في ذهن الجمهور (الغربي) ينقسم إلى عدة أقسام. فإما أنها ثورة تحولت إلى صراع مسلح عنيف سيطرت عليه الجماعات الإسلامية، أو مطالب شعبية ضمن هوية إسلامية تبلورت لصراع بين نظام علماني وجماعات إسلامية تحاول حكم البلد، أو إرهاب إسلامي متطرف يحاول السيطرة على سوريا بعد اندلاع الثورة، أو ثوار مدنيون يحاولون النجاة ضمن محيط مليء بالعنف واضطراب الهوية، أو أنه يتعرف للمرة الأولى على سوريا والصراع الدائر فيها.

لذلك يتخذ مفهوم البطل في الإنتاج الصيغة الأكثر نجاحاً في صناعة الفيلم، ولا بد من التذكير أن الجهات المنتجة تتعامل مع السوق، وهي تنتظر شباك التذاكر والحضور العالمي وليست مؤسسات مدافعة عن الثورات وحقوق الإنسان. لذا إن البطل يخلق لدى الجمهور ذلك النوع من تماهي المتفرج مع بطله المحبّب الذي ينقذه من السقطة الأخلاقية تجاه الضحايا المجهولين، فالبطل هو إما صانع الفيلم أو شخصية رئيسية ضمن سياق محايد (ضحية) يترفّع عن الانخراط بالحرب ويقوم بعمل إنساني.

لقد حمل معظم هذه الأفلام تيمية المأساة الانسانية التي تعني كما أسلفت طرفاً ثالثاً هو (الضحية، البطل). بالطبع هناك مأساة إنسانية، ولكن هذا المأساة لديها أسباب وإشكاليات وإن التغاضي عن محاولات فهم هذه الأسباب والإشكاليات لا يساهم في صياغة رأي لدى الجمهور. إن أي قضية حساسة بحاجة للوقوف على إشكالياتها وتحليلها وفهمها، فنحن أمام قاتل وضحية ولكن لا نستطيع أن نفهم ماذا وراء كل هذا القتل والعنف. وبهذا المعنى هنالك فقط (أطباء, ضحايا عاملين في منظمات إنسانية، نشطاء). تكاد تغيب الفروق بين المدن والشخصيات وطبيعة كل منطقة في هذه الأفلام نحن لا نستطيع أن نشعر ما هو الفرق بين حمص وحلب وإدلب إذا ما قارنا الأماكن والشخصيات في هذه الأفلام، لا نعرف طبيعة وخصوصية كل منطقة وما تحمله من إرث ثقافي واجتماعي وزخم ثوري. إن هذه الأفلام هي أفلام كوزومبوليتالية. يشير هذا المعنى إلى ذلك النوع من الأدب الذي يغيب عنه المكان كمعنى أصيل. يشير الفيلسوف غاستون باشلار، في كتابه “جماليات المكان” إلى المعنى الحميمي الذي يخلقه البيت, وهو جزء أساسي من جودة الأدب وعمقه وسحره، وهذا ما تتشاركه السينما حيث يشكل المكان وخصوصيته جزء من بناء عالم الفيلم الجمالي. وبهذا المعنى تغيب خصوصية الأماكن في هذه الأفلام، يطغى الدمار بشكل عبثي عليها، يجرّدها ويجرّد شخصياتها من أي معنى عميق في لاوعي المتفرج، إذ إن مشاهد الدمار والقتل تتشابه في كل مكان في العالم. إن هذه المشاهد تحيل إلى المجهول. ذلك النوع من الصور تستخدمه الأفلام التجارية التي تستعرض الضحايا والكوارث كخلفية ينجو فيها البطل الذي يصارع الشر.  ينتبه الشاعر محمود درويش إلى ذلك النوع من التغريب الذي يخلقه السرد الحكائي لرواية الثورة، حيث يقول في قصيدته (قتلى ومجهولون): “قتلى، ومجهولون، لا نسيان يجمعهم ولا ذكرى تفرقهم. ومنسيون في عشب الشتاء على الطريق العالم بين حكايتين عن البطولة والعذاب”.

بالطبع هناك مأساة إنسانية، ولكن هذا المأساة لديها أسباب وإشكاليات وإن التغاضي عن محاولات فهم هذه الأسباب والإشكاليات لا يساهم في صياغة رأي لدى الجمهور

إن هذه الصورة الشعرية تحمل الترميز العميق لما يحمله ذلك النوع من الأفلام عن الضحايا. إنهم قتلى ومجهولون بين صورة البطل الذي يحاول أن ينجو وبين عذاب الحرب المروعة.

يرى أرسطو “أن الفن الجميل هو ألا يكون ترديداً حرفياً للمجرى المألوف للتجربة”، كما يرى “إنَّ من شأن الفن أن يصنع ما عجزت الطبيعة عن تحقيقه، فعمل الفنان لا ينحصر في إمدادنا بصورة مكررة لما يحدث في الطبيعة وإنما في العمل على التغيير من طبيعة الطبيعة”.

ماذا عن صور الضحايا؟

إن هذا التعريف القديم للمحاكاة يمثل جوهر السينما وهو بذات الوقت جوهر الإشكالية لهذا النوع من الأفلام. فلقد خلق التوثيق اليومي للأحداث الدموية في سوريا الناتجة عن الهمجية المريعة لقوات النظام وحلفائه صفة (المواطن الصحفي) الذي يقوم بتوثيق الأحداث اليومية بكاميرا الموبايل. كانت هذه هي الوسيلة الوحيدة للإخبار بما يحدث، نقل السياق الذي سقط فيه الشهداء، مما شرّع تصوير الضحايا (الشهداء) دون اعتبارات لحرمة أجسادهم، فالموثق قد يكون أخ الضحية أو صديقها أو ابنها.  يحمل هذا الوضع، ضمنياً إجازة أخلاقية لتصويرهم بهذه الطريقة وإخبار العالم. لكن مع انتقال التوثيق إلى صناعة الأفلام بات من الغير مفهوم عرض وتصوير (الشهداء) بطريقة تنتقص من حرمة أجسادهم ومن سياق سقوطهم، دون معرفة من هم وما هي قصصهم. لا سيما أن هؤلاء البشر قد غيّبهم الموت، فيما صنّاع الأفلام يذهبون بها إلى سوق الأفلام المرتبط بالصناعة، وبالتالي نحن نشاهد عملية صادمة أخلاقياً، وتخضع الكثير من التبريرات حول ضرورة إظهار هذا العنف على اعتبار أنه درجة صغيرة مما يحدث على أرض الواقع في حين أن هذه خديعة ترويجية، إذ أنّ العالم يعرف ماذا يحدث منذ السنة الثالثة من الثورة، ويعرف أن الدمار والموت يخيم على سوريا. لكن السؤال مرة أخرى، ماذا يعرف بالضبط؟ إنه لا يعرف السوريين الذين قاموا بهذه الثورة ولا يعرف مبرراتهم وطبيعة صراعهم مع السلطة. الحقيقة الوحيدة المثبتة هو أن الجمهور الغربي لديه صورة غائمة عن حرب فيها صراعات مختلفة مرتبطة بأجندات إقليمية وعالمية، لقد خلقت هذه النوعية أثراً مزدوجاً متناقضاً، فهي من جهة كانت شاهداً على هول الدمار والموت، ومن جهة ثانية ساهمت بضبابية الصورة عن الثورة السورية. بالطبع هنالك استثناءات استطاعت أن تحافظ في جوهرها على توثيق همجية النظام، لكنها لم تنجو من عبثية استخدام أجساد الضحايا وصورهم بطريقة مفرطة لا تحفظ كرامتهم. وثمة سؤال أخلاقي في غاية الأهمية هو كيف يتم التلاعب بصور الضحايا وترتيب مشاهدها لتحدث أثر الصدمة لدى المتلقي. إذ تبدو في النهاية هذه الأفلام كما لو أنها استنساخ حرفي للواقع.

السينما والجهات المنتجة

تحدد عملية الإنتاج الشكل النهائي للفيلم وتشكل علاقة الإنتاج بصانع الفيلم علاقة جدلية وإشكالية، وتبدو القرارات الصورية (القطع التركيب، إعادة تشكل القصة) واحد من أكثر العمليات الجدلية في صناعة الأفلام، وهي تخلق ذلك الوهم المتعدد المستويات حول طبيعة ما يتلقاه المشاهد في الشاشة. لذا لا بد لنا من المساءلة حول المستويات المختلفة من قراءة الصورة التي تشكلها الجهات المنتجة مع صانع الفيلم. وإن اللبس القائم والحساس لدى بعض الجمهور المتحمس لهذه الأفلام هو الخلط بين التجربة الشجاعة والاستثنائية ممن خاضوا هذه التجارب، وبين صناعة الفيلم التي تخضع لقرارات ترتبط بالصناعة بحد ذاتها. وهذا نوع من الابتزاز العاطفي للجمهور، يضعنا أمام حرمة المساس بالفيلم، وهو في النهاية فيلم خضع لسلسلة طويلة من التركيب والتفكيك، ونحن هنا إذ نتناول هذه الأفلام لا نتناول أصحاب وتجارب هذه الأفلام وإنما الطبقة العميقة من صناعة الأفلام التي تؤثر في لاوعي الجمهور، وعند هذه النقطة تدرك جهات الإنتاج ان المراد من هذه الأفلام ليس خلق رأي عام عالمي حول طبيعة الثورة وإثارة أسئلة حول صراع معقد يخوض فيه آلاف من البشر معركة على مختلف المستويات، وإنما تريد خلق ذلك التعاطف لكسب جماهيرية الفيلم.

تغيب خصوصية الأماكن في هذه الأفلام، يطغى الدمار بشكل عبثي عليها، يجرّدها ويجرّد شخصياتها من أي معنى عميق في لاوعي المتفرج

بالطبع لا يستطيع فيلم واحد أن يقارب إشكاليات الثورة المعقدة، ولكن إذا ما وضعنا هذه الأفلام في سياق إنتاجي سنجد أنها ترتبط ضمنياً ببعضها، وسنجد أن هنالك تركيز على ذلك النوع من القصص والصور. وليكتمل ذلك المشهد الإنتاجي لا بد من خلق إيهام لدى الجمهور بأن ليس العنف هو المشهد المهيمن على هذا الصراع، لا بل يكمله الإرهاب الذي غيّر من مشروع الثورة إلى حرب طاحنة يسيطر السواد فيها على الأجيال، هذا الإرهاب المتجذر في المجتمع، والذي هو الوجه الآخر له. وهنا مرة أخرى يعود ليبرز مفهوم البطل، وهو، إما صانع الفيلم أو الشخصيات الرئيسية فيه.

ازدواجية فاضحة

تتمثل الازدواجية في علاقة الغرب مع الثورة السورية في عدم ممارسة أي قوانين على الانتهاك الصريح لأجساد الضحايا، حيث تمنع القوانين الأوربية والأدبيات الأخلاقية في المحطات التلفزيونية والمهرجانات استخدام أجساد الضحايا، وربما يخضع ذلك للمحاكمة والملاحقة القانونية فيما تسمح هذه المؤسسات الإعلامية والمهرجانات باستخدام جثث الضحايا في أفلام السوريين، ذلك أن الصانع يغرق جمهوره بمشاهد مريعة ومشاهد دموية، كأن الجمهور يدخل إلى عرض فيلم تجاري ليشاهد عنف يبدو أنه قصة مبتكرة عن أحداث وأماكن وشخصيات خارج نطاق التاريخ والزمان والمكان. إنه الشرق المتخيل من الغرب الذي يحتمل كل ما هو مروّع ويقتضي الفرجة لإعادة ابتكاره تحت حكم الطغيان المطلق.

تمدنا الصور ومقاطع الفيديو بمعلومات كثيفة عن الزمان والمكان والتاريخ والأوصاف. والمعلومة هي جوهر الصورة ومقاطع الفيديو التي يمتزج فيها الأخبار مع الفن، وهذه إحدى أهم وأقوى أدوات التأثير في الصور.


كتب المقال:
عروة المقداد، مخرج سوري له عدد من الأفلام، آخرها “300 ميل”

نشرت هذه المادة للمرة الأولى على موقع حكاية ما انحكت/ syriauntold. وهي تنشر هنا بالتعاون والاتفاق معهم

Gjesteskribent كاتب ضيف

Gjesteskribent كاتب ضيف

أضف تعليقًا