العدد الحادى عشر | الديكتاتور
في الساعات الأولى من صباح الثامن من ديسمبر، أقلعت طائرة وحيدة من دمشق. كان على متنها بشار الأسد، متجهاً إلى منفاه في روسيا، على الأرجح موسكو.
برحيله، انتهى أكثر من نصف قرن من حكم الأسد، سلالة بدأت عندما استولى والده على السلطة عام ١٩٧٠. لكن نهاية الحاكم لا تعني نهاية ظله. ففي غضون ساعات، فُتحت أبواب أكثر سجون سوريا رعباً. دخل الناس زنازين عاشت لعقود في ظل الشائعات والكوابيس. صور من سجن صيدنايا – جدران عارية، إضاءة خافتة، غيابٌ مُريع للمختفين قسراً – أظهرت للعالم قسوة مُجسّدة في العمارة.
حجم الخسائر في سوريا يفوق قدرة الأرقام العادية على استيعابه. قتلى، معتقلون، لاجئون، أطفال قُتلوا، منازل سُوّيت بالأرض – كل ذلك يُحصى بأرقام تتكون من خمسة أصفار على الأقل، وأحياناً ستة. وبعيدًا عن الإحصائيات، تكمن صورٌ لا تُمحى من الذاكرة: طفلٌ هامدٌ على الشاطئ، وجثةٌ انتُشلت من تحت الأنقاض، وعائلةٌ تائهةٌ في عرض البحر.
لم تقتصر سلطة الأسد على سجونه فحسب، بل امتدت لتشمل الفن والدين، والقضية الفلسطينية، والاقتصاد، ومدارس البلاد. لقد كانت دكتاتوريةً علّمت الناس أن ينتقوا كل كلمة، وأن يزنوا كل نظرة، وأن يستشعروا أنهم مراقبون باستمرار. لقد كانت عملية إعادة تشكيلٍ بطيئةٍ ودؤوبةٍ للحياة الداخلية للأمة.
يتناول هذا العدد – الذي يزيد عن 200 صفحة – تلك القصة: من السنوات الأولى لصعود الأسد إلى قبضة المخابرات الخانقة؛ من الثقافة الخاضعة للسيطرة إلى انهيار الاقتصاد؛ من الفصول الدراسية التي تحولت إلى أدواتٍ للدعاية إلى المساحات الصغيرة التي صمدت فيها المقاومة. يختتم العدد بصورتين أخيرتين: الأولى عن كيف أصبح تطبيق واتساب الرابط الذي يجمع شعبًا مشتتًا في السنوات الأخيرة من حكم الأسد، والثانية عن المسائل الشائكة المتعلقة بالعدالة الانتقالية في ظل حالة عدم اليقين التي أعقبت سقوطه.
هذا هو الإرث الذي خلّفه نظام الأسد – نظام طمس ماضي سوريا، وحطّم حاضرها، وترك وراءه دمارًا عميقًا لدرجة أن مستقبلها بات أقرب إلى أن يرث ظلامه بدلًا من أن ينجو منه.
هذا العدد يتناول سوريا، بكلمات السوريين أنفسهم – مساحة نادرة للسوريين للتحدث عن وطنهم، ماضيه وحاضره.
أُتيح هذا العدد بفضل تعاوننا مع “سوريا غير المروية”، التي نتقدم لها بجزيل الشكر هنا في الصفحة الأولى.
هذا العدد:
عن العدد
كتّاب هذا العدد
مقالات من هذا العدد













