تحولت قضية اللاجئ الفلسطيني لتصبح أقدم مِحَنِ اللاجئين التي لم تلق إجابة بعد. يبلغ اليوم عدد المسجلين “كلاجئين فلسطينيين” حوالي 5.8 مليون، والعديد منهم يعيشون في مخيمات للاجئين في الشرق الأوسط٬ غير حاملين للجنسية، و ومشتتون في كل دولة تقريبًا عبر جميع القارات.

يمكن بسهولة القول أن المجتمع الدولي، ممثلاً بعصبة الأمم أولاً، ثم الأمم المتحدة لاحقًا، كان متواطئًا في خلق مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، بإحداث ظروف سياسية وقانونية للتوسعة الإقليمية وزيادة النفوذ الإمبريالي، مما أسهم في نشوء مثل هذه المشاكل. بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، تقاسمت الدول الأوروبية المنتصرة فيما بينها المساحات الشاسعة والمتعددة الأعراق التي خلفتها الدولة العثمانية، وجعلتها دولاً جديدة تابعة لحدود لم تكن موجودة مسبقًا.

 وقعت فلسطين تحت حكم الاستعمار البريطاني الذي وقع لاحقاً وعد بلفور في عام 1917، داعماً حقَّ اليهود باتخاذ فلسطين وطنًا لهم، وذلك بدون موافقة منهم أو إقرار لحقوق السكان الأصليين. مثّل السكان العرب الفلسطينيون حينها نسبة 99 بالمئة من التعداد السكاني المحلي.

الصهيونية بدورها وبصفتها كحركة ومعتقد، توسَّعت نتيجة انتشار الفاشية ومعاداة السامية في أوروبا وروسيا. معتبرةً تأسيس المستعمرات الاستيطانية لدولة اليهود في فلسطين حلاً “للقضية اليهودية”.

وفي فترة الحكم البريطاني، اشتدت حدة التوتر بين المجتمعات المحلية الفلسطينية والحركة الصهيونية بزيادة هجرة اليهود وعمليات انتزاع الأراضي. إنَّ خلفية هذا الإندفاع اليهودي تتضمن حقيقة أن العديد من الدول الأوروبية أوصدت أبوابها في وجه اللاجئين اليهود المضطهدين، مع العلم بمعاداة النازيين الشديدة للساميين وزيادة الاضطهاد النازي لهم قبيل الحرب. بلغت معاداة السامية وعمليات الاضطهاد ذروتها في عملية الإبادة العرقية لستة ملايين يهودي خلال الحرب العالمية الثانية.

في عام 1947 أعلنت بريطانيا عن خططها بالانسحاب وتحويل الانتداب على فلسطين إلى الأمم المتحدة المنشأة حديثًا. وفي محاولة لإيجاد حل “للقضية الفلسطينية”، أجرت الجمعية العامة للأمم المتحدة في نوفمبر تشرين الثاني من عام 1947 تصويتاً لتقسيم فلسطين إلى دولتين، اليهودية والعربية، ضمن القرار 181. القرار لم يؤدي إلى أي حل، بل كان على العكس شرارة لإشعال الحرب. اندلعت الحرب في المرحلة الأولى بين القوات الصهيونية والبريطانيين مع السكان الفلسطينيين. أما المرحلة الثانية فقد كانت حربًا إقليمية. حيث دخلت الدول المجاورة في النزاع، وذلك بعد يوم من إعلان القائد اليهودي البارز ديفيد بن غوريون تأسيس دولة إسرائيل الجديدة في الرابع عشر من مايو أيار عام 1948.

تم خلال الحرب تهجير ما يقارب 750,000 ألف فلسطيني إلى مناطق خارج حدود ما أصبح يدعى دولة إسرائيل الجديدة. وبأخذ لمحة تاريخية، نجد أن هناك إجماعًا على أنَّ اللَّوم الرئيسي في عمليات التهجير يقع على عاتق إسرائيل، باستخدامها للوحشية، والمجازر، وترويج الدعايات، والطرد المباشر للفلسطينيين. وتفرَّق ما يقارب ثلثي سكان فلسطين في لبنان، وسوريا، والأردن، والوحدات الجغرافية الجديدة مثل الضفة الغربية وغزة. 

وبعد انتهاء الحرب عام 1949، أصبح وجود فلسطين بالكاد ملحوظًا على الخريطة. وعلى الرغم من أنَّ خطة الأمم المتحدة للتقسيم عام 1947 قد منحت دولة اليهود نسبة 56 بالمائة من مساحة فلسطين الواقعة تحت الانتداب، إلا أن إسرائيل خلال الحرب احتلت بالقوة أراضي إضافية علاوة على الأغلبية التي خصصت لها، مستعمرة بذلك 78 بالمئة من فلسطين المنتدبة. وبقي أقل من 10 بالمئة من السكان الأصليين لهذه المناطق في منازلهم. 

المؤقتية اللانهائية

في خريف عام 1948، خلال الحرب الدائرة في فلسطين، وكاستجابة مباشرة لعواقب أزمة اللجوء، طبّقت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 194، والذي ينص على التسليم بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة و/أو تلقي تعويض مالي. بموجب القرار تأسست الأونروا (UNRWA) في ديسمبر (كانون الأول) من عام 1949 عبر القرار 302، وهي (وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل لاجئي فلسطين في الشرق الأدنى). وكانت مهمتها تقديم مساعدات مؤقتة للاجئين، وخلق برامج عمل بالتعاون مع الدول المستضيفة، إلى أن تتمكن (لجنة الأمم المتحدة للتوفيق بشأن الفلسطينيين) (UNCCP) من الوصول إلى حل سياسي.

تباين الآراء بين الولايات المتحدة الأمريكية والأمم المتحدة، والعرب وإسرائيل، بعد حرب عام 1948 أجهض كل المحاولات الجدية لإيجاد قرار سياسي عادل. ولذلك ابتعد مسؤولو الأمم المتحدة عن حل المشاكل السياسية، وبدلاً من ذلك تمحورت جهودهم حول تخفيف الأزمات الإنسانية.

تقوم الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ عام 1950 بتجديد مهام الأونروا كل ثلاثة سنين، بتقديم كل من المساعدات المؤقتة، وأساسيات التعليم، وخدمات صحية بانتظار حل سياسي.

الأونروا لا تقدم حماية – أو “حل دائم” – خلافاً لجميع اللاجئين الآخرين من خلال مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR). بعد مرور سبعين عامًا، يظل الفلسطينيون تحت هذا النظام من “المؤقتية اللانهائية” في نمط لا ينتهي من الخمول السياسي واللامبالاة الدولية.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

More posts. You may also be interested in.