
ترتبط الموسيقى دائمًا بتطور المجتمعات والتحولات التي تشهدها هذه المجتمعات. وبالتالي، فقد تكون الموسيقى الفلسطينية من أبرز أنواع الموسيقى المثيرة للاهتمام، كون أن الأراضي الفلسطينية لا تزال قابعة تحت الاحتلال. الأمر الذي جعل الموسيقى الفلسطينية مرتبطة ارتبطاً وثيقاً بالواقع السياسي الذي فرضه الاحتلال. في هذا السرد، سنقدم نظرة عامة موجزة على تطور الموسيقى الفلسطينية، بدءًا من الفترة التي سبقت النكبة وحتى بدايات الألفية الثانية.
قبل نكبة 1948
تظهر المصادر عن مشهد موسيقي فلسطيني كان موجوداً في السياقات الريفية والحضرية، حيث شكلت الأغاني جانباً أساسياً من الحياة الاجتماعية واعتبرت أداة قوية للتواصل.حيث تم توظيف الزجالين في الأعراس والمناسبات الدورية الأخرى، ليقوموا بنقل الأخبار للقرى والبلدات ومناقشة القضايا الراهنة. وقام الزجالون باستخدام ارتجالات شعرية ولحنية باللهجات العامية كالعتابا، والميجانا والدلعونة، والمربع، وظريف الطول، وكانت تصاحب هذه الأنواع في كثير من الأحيان أنواع مختلفة من الرقص. كما و
بدأت التسجيلات بالظهور في فلسطين في العقد الأول من القرن العشرين، وكانت هذه الصناعة موازية لتلك التي ظهرت في مصر.
ومع حلول عام 1930، بدأت تظهر القصائد والأغاني التي تعبر عن الواقع اليومي المرتبط بوجود الانتداب البريطاني. ومن الأمثلة على ذلك أغنية “من سجن عكا” التي كانت بمثابة تأبين لمحمد جمجوم وفؤاد حجازي اللذين تم إعدامهما من قبل الاحتلال البريطاني عام 1930. وفي الوقت نفسه، شهدت فترة العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي تسجيلات للعديد من الموسيقيين الفلسطينيين. وتضمنت هذه التسجيلات العديد من أنواع الأغاني، كالقصائد والموال والليالي والأغاني الحضرية الخفيفة، والطقطوقة والأغنية الشعبية الريفية الفلسطينية والأدوار والموشحات”. وكانت موضوعات هذه الأغاني عاطفية ووطنية وسياسية ودينية. وقد حظي العديد من المطربين الذين ظهروا في تلك الفترة باحترام كبير، مثل رجب الأكحل، وثريا قدورة، والياس عوض، حيث أبدوا قدراتٍ عالية على صعيد الأداء والنطاق الصوتي والتأليف وغيرها، مما يدل على أن المجتمع الفلسطيني كان قادراً على إنتاج فنانين متألقين ذوي أداء ومواهب قوية خلال الربع الأول من القرن العشرين. يمكن للقارئ الاستمتاع بالسماع لتسجيل أغنية “مولاي كم حمل النسيم” سلامي لثريا قدورة والمتوفر على شبكة الانترنت. حيث تقول كلمات الأغنية:
مَولايَ كَم حَمل النَسيم سَلامي فَعَلامَ تَعنيفي وَطول مَلامي
وَلَكَم بَعَثتُ مَعَ الهوى رسائلي فمَنَعتُ حَتّى الطيف في الأَحلامِ
وفي عام 1936 تم إنشاء إذاعة “هنا القدس”، ثم إذاعة الشرق الأدنى (1941) خلال الأربعينيات، حيث أراد رئيس قسم الموسيقى في إذاعة الشرق الأدنى تسخير الآلات المحلية، وبحور الشعر العامية، والنماذج الفولكلورية المحلية واستخدامها في نسج ملامح أغنية جديدة بعيدة عن “الطرب” المصري.
بعد النكبة
بعد النكبة، أصبح الموسيقيون الفلسطينيون منفصلين جغرافيًا عن بعضهم البعض في سوريا ولبنان والضفة الغربية وغزة والداخل المحتل والعراق ومصر والأردن. وأدى ذلك إلى فقدان البنية التحتية والأنشطة الموسيقية التقليدية في فلسطين، مما أدى إلى فقدان المشهد الموسيقي الفلسطيني. وبعد ذلك قامت الإذاعات والمعاهد والجامعات العربية في لبنان وسوريا والعراق بتوظيف بعض الموسيقيين الفلسطينيين لما يتمتعون به من مواهب ومعرفة موسيقية وقدرات على قراءة النوتات والتأليف والتدريب والتعامل مع العديد من أنواع الموسيقى من المنطقة العربية والعالم.
الاحتلال الإسرائيلي يُحكم قبضته على الموسيقيين الفلسطينيين
لم يسمح الاحتلال الإسرائيلي للفلسطينيين في الضفة الغربية بالتعبير عن أنفسهم بحرية. حيث تعرّض كل من كان له رأي سياسي للاضطهاد أو السجن أو سوء المعاملة أو الترحيل. لكن مصطفى الكرد٬ قام بكسر هذا الوضع بعد حرب الأيام الستة عام 1967 ليكون أول موسيقي يتحدى الأوامر العسكرية بتقديم عروض احتجاجية موسيقية وسياسية. ولحن الكرد أغانٍ سياسية باللهجة المقدسية واللغة الفصحى، فقام الاحتلال بترحيله، وأمضى في المنفى تسع سنوات. استكمالاً لمسيرة مصطفى الكرد، تأسست فرقة البراعم على يد إميل وسميرعشراوي. وفي السبعينيات قدمت فرقة البراعم أغانيها الخاصة باللهجة المقدسة والفصحى حيث حملت أغاني فرقة البراعم مواضيع سياسية واجتماعية وفكرية ومفاهيم المقاومة وتم تقديم هذه الأغاني في القدس وبيت لحم. ومن أغاني فرقة البراعم التي يظهر فيها جليّاً ارتباط اللحن والكلمات بتلك الفترة أغنية “طريق”, حيث تقول كلمات الأغنية:
جئت من الطريق لا تسلني من أبي ومن تُرى أمي
فما أعرف منهم أحدا ومن جدي العتيق
أهلي أهلي عظام الأرض من تكوينها
تراب وحجار في جدار
بقايا كوكبٍ بعد الدمار
ظلال حلوة في جدول رقيق…….
ومن السمات الأساسية لحقبة ما بعد حرب 1967 أن صناعة الأغنية الفلسطينية في إطار الضفة الغربية كانت مستقلة عن الفضاء المعروف في المنطقة العربية ولكن ليس عن بقية العالم. كما تم عزلها عن وسائل البث الإذاعي والتلفزيوني العربي، التي لم تريد بث أغانٍ سياسية أو احتجاجية أو انتقادية أو اجتماعية. ومع ذلك، لم تكن هذه الأغاني بمعزلٍ عن الناس.
بعض الفرق الموسيقية الفلسطينية التي أثرت في المشهد الموسيقي الفلسطيني
فرقة العاشقين
في مكان آخر خارج فلسطين، في سوريا تحديداً، تأسست فرقة العاشقين عام 1976, التي أرادت من خلال أغانيها أن تمثل البعد الثقافي للثورة الفلسطينية من خلال عرض قصة الشعب المناضل لإنهاء الاحتلال. وشكّلت أغاني فرقة العاشقين استثناءً تاريخياً لهوية اللاجئين. وغنّت هذه الفرقة باللهجة العامية كما وغنت كلماتٍ لشعراءٍ كبار أمثال سميح القاسم وتوفيق زيادة. ومن كلمات الشاعر الكبير محمود درويش غنّت فرقة العاشقين قصيدة أحبك أكثر والتي تقول:
تكبّر.. تكبرّ
فمهما يكن من جفاك
ستبقى، بعيني و لحمي، ملاك
و تبقى، كما شاء لي حبنا أن أراك
تكبّر.. تكبرّ
فمهما يكن من جفاك
نسيمك عنبر
و أرضك سكر
و إني أحبك.. أكثر
فرقة صابرين
تأسست فرقة “صابرين” في القدس عام 1980 وركّزت على تطوير الأغنية الفلسطينية الحديثة التي تعكس الواقع الإنساني والثقافي بشكل عام وتعبّر عن المعاناة التي يعيشها الشعب الفلسطيني بسبب الأوضاع السياسية. ومع إنشاء هذه الفرقة، تراجعت السمات الذكورية التي سيطرت على الموسيقى الفلسطينية، والمتمثلة في أغاني فرقة العاشقين، حيث بدأت الفرقة في استكشاف المزيد من المواضيع والسرديات التأملية. مزجت فرقة صابرين بين عناصر الموسيقى العربية والموسيقى الغربية. حيث استخدمت الفرقة الآلات الشرقية مثل العود والكولا والبزق والقانون، بالإضافة إلى بعض الآلات الغربية مثل الجيتار والكمان والتشيلو، مع بعض التأثر بأنواع أخرى من الموسيقى العالمية، بدءًا من الموسيقى الهندية والموسيقى الأفريقية إلى موسيقى الجاز والبلوز الأمريكية, و تمكنت فرقة صابرين من الحصول على العديد من المتابعين والجمهور من الضفة الغربية وأراضي1948. ومن أغاني فرقة صابرين التي تعبر عن طول الفترة التي قضّاها الفلسطينيون بعيداً عن أرضهم كلاجئين أغنية بعنوان “أغنية وطنية”, حيث تقول كلمات هذه الأغنية باللهجة العامية:
غابت علينا الشمس
يا جحيشتي يالله
علينا نعجل شوي
وتوكلي ع الله
نغير التاريخ
نوصل المريخ
ونطلع الشيطان
ونشوفه ليش زعلان
منذ الأزل علينا…….
الانتفاضة الأولى: الأغاني كوسيلة للمقاومة
مع اندلاع الانتفاضة الأولى في كانون الأول/ديسمبر 1987، بدأت هذه الفرق في ترسيخ الاتجاه في صناعة الموسيقى ذات الطابع الوطني والاحتجاجي. واستمر أداء الأغاني الشعبية الفلسطينية التقليدية كوسيلة لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي, ويظهر هذا جليّاً في أغاني فرقة العاشقين ومن هذه الأغاني أغنية “زغردي يا أم الجدايل” والتي تدعوا بكلماتها المرأة الفلسطينية لأن تكون فخورة كونها زوجة أو أم أو أخت لأحد المناضلين الذين قدموا أرواحهم من أجل حرية فلسطين.
بعد اتفاقيات أوسلو – 1993
وفي غضون سنوات قليلة من توقيع اتفاقية أوسلو، تم استبدال الاستقلال الذي ميّز الموسيقى الفلسطينية في السبعينيات والثمانينيات لتبدأ مرحلة جديدة تلبي احتياجات السوق مع الحفاظ على بعض العناصر والأدوات التي تعبر عن المقاومة والاحتجاج. ومن الأمثلة على ذلك الكاتبة والمغنية ريم البنا والتي كانت أغانيها متجذّرة في أنواع موسيقى البوب الغربية وتعكس اتجاهات الموسيقى المعاصرة، بالاعتماد على الشعر المعاصر والتقليدي. تعكس كلمات معظم أغاني ريم البنا الواقع اليومي الذي يعيشه الفلسطينيون في الأراضي المحتلة من اضطهاد تهجير ولجوء، ولعل أغنيتها “الغائب” تقدم خير مثال على ذلك ، تقول كلمات الأغنية:
الله أصبح لاجئاً يا سيّدي
صادر إذاً حتّى بساط المسجد
وبع الكنيسةَ فهي من أملاكِه
وبع المؤذّنَ في المزادِ الأسودِ
وأَطْفِئْ ذُبالات النجوم فإنّها
ستضيء دربَ التائهِ المتشرّدِ
حتّى يتامانا أبوهم غائبٌ
صادر يتامَانا إذن يا سيّدي….
الانتفاضة الثانية: 2000-2005
فبينما شهدت الانتفاضة الأولى حركة موسيقية نحو الداخل الفلسطيني، أي نحو التراث أو التقاليد، كانت الانتفاضة الثانية تتطلع إلى التوسع نحو الخارج، أي إلى مختلف أنواع الموسيقى الإسلامية والعربية والغربية، سواء من المحيط العربي أو خارجه. حيث بدأ الجيل الحالي يعتمد على أساليب أخرى للتعبير الموسيقي والتي يسهل الوصول إليها والمتوفرة له، مثل فنون الهيب هوب والراب، بالإضافة إلى أنواع الأغاني الموجودة في المنطقة العربية. الأمر الذي أفضى بظهور فنانين جدد في مشهد ما عُرف بالراب الفلسطيني أمثال مغني الراب شب جديد من بلدة كفر عقب الفلسطينية. تعكس معظم أغاني شب جديد الواقع الذي يعيشه الفلسطينيون في الضفة الغربية والذي فرضه نظام الفصل العنصري للاحتلال الإسرائيلي.
موسيقى الجالية الفلسطينية في الشتات (سوريا)
في المناسبات الاجتماعية للجالية الفلسطينية في سوريا، لم يكن من المعتاد غناء الأغاني الشعبية التي كان يرددها الأجداد في فلسطين قبل نكبة 1948. ولم تجد هذه الأغاني طريقها إلى المجتمع الفلسطيني في سوريا بسبب عدم توفر الوسائل التي يمكنها نقل التراث الغنائي الذي كان متداولاً في فلسطين قبل النكبة. ولهذا السبب، جرت العادة على ترديد واستماع الأغاني التي تعبّر عن ثورة الحرية والعودة إلى فلسطين. على سبيل المثال، في معظم حفلات الزفاف، كان يتم غناء أغاني فرقة العاشقين وأغاني المطرب الفلسطيني السوري أبو عرب.
مع بداية ظهور الإنترنت وانتشار استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في سوريا، بدأت الأغاني التراثية الفلسطينية تصل إلى آذان جيل الشباب الفلسطيني في سوريا من خلال الاستماع، على سبيل المثال، إلى أغاني سناء موسى التي عرفت بـتقديم التراث الغنائي الذي كان يُرَدد خلال طقوس الزراعة والحصاد في الريف الفلسطيني قبل النكبة، بالإضافة إلى تقديم الأغاني السياسية التي كانت متداولة في فلسطين في فترة الاحتلال العثماني ومن ثم البريطاني. لكن على الرغم من ذلك، لم تجد هذه الأغاني طريقها بعد ليتم غنائها وترديدها في المناسبات الاجتماعية للجالية الفلسطينية في سوريا.









اترك تعليقاً