ما الذي يجعل مصر حالة استثنائية؟
يجد نحو 1.7 مليون ساكن في غزة أنفسهم محصورين في منطقة تمتد على أقل من 65 كيلومترًا بعد أن أجبروا على الانتقال بسبب تأثير القصف العدواني المتواصل، والدمار الواسع النطاق نتيجة التوجيهات العسكرية التي أصدرها الإسرائيليون الصهاينة عمدت لتوجيههم بالتحرك جنوباً. يواجه السكان في مخيمات مؤقتة عواقب جسيمة وسط جوع شديد، وبرد قارس. هذه الدورة المتكررة للنزوح ليست تجربة جديدة بالنسبة لسكان غزة حيث أن أكثر من 60 في المائة من سكان غزة هم لاجئو عام 1948 من جنوب فلسطين، واختبروا سابقاً وحشية الإسرائيليين.

في عام 1948، تم إجبار الفلسطينيين على مغادرة منازلهم، وفقاً لخطة دالت البشعة التي اعتمدها الجيش الصهيوني وهدفت لتشريد أهل فلسطين التاريخية استعداداً لإنشاء دولة إسرائيل. تجسد الخطة الفكرة الصهيونية، حيث تضمنت سلسلة من الأساليب العسكرية التي مكنت القوات اليهودية من ضمان طرد الفلسطينيين، كتدمير ممتلكات العرب الفلسطينيين من أجل تحقيق الواقع المفروض الذي تأسست عليه دولة إسرائيل. سياسة الصهاينة لنقل السكان عمدت إلى محو القرى وقتل المدنيين وإجبار الناس على مغادرة منازلهم وبلداتهم من خلال الحروب النفسية وارتكاب المجازر. شملت سياسة النقل قطع إمدادات المياه والطعام، وتقويض البنية التحتية الاقتصادية، أمر تم توثيقه في كتاب المؤرخ إيلان بابي ” التطهير العرقي في فلسطين”.
أُجبر الفلسطينيون على الهجرة إلى مناطق وبلدان مجاورة. كان القرب الجغرافي والعلاقات الاجتماعية مهمة في الوجهات التي اختاروها الفلسطينيون للانتقال إليها. الغالبية العظمى سعت إلى البقاء في ما أصبح يعرف بالضفة الغربية وقطاع غزة، فيما غادر البقية إلى بلدان قريبة مثل لبنان وسوريا والأردن، وهي الدول التي استضافت لاحقاً في عام 1951 ما سيعرف بالأونروا “وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين” . قدمت الأونروا المساعدات والتعليم الأساسي والرعاية الصحية الشاملة من خلال مدارس وعيادات في مخيمات اللاجئين وكذلك في المناطق الحضرية أو الريفية المأهولة بشكل كبير باللاجئين الفلسطينيين.

لم يكن الحال كذلك بالنسبة ل ١٣٠٠٠ فلسطيني اختاروا اللجوء إلى مصر حيث كان لديهم هناك أقارب أو علاقات مهنية. حيث تم وضعهم في البداية في مخيمين مؤقتين لعدد قليل من الأشخاص في شمال غرب سيناء (الأزاريطة و قنطرة شرق) وسط عدم وجود رغبة سياسية لاستضافة اللاجئين. تأسس بعد ذلك مخيم في منطقة العباسية في القاهرة، ليتم تفكيكه في نهاية المطاف في 1980، وانتقل سكانه إلى مناطق حضرية أخرى، بشكل رئيسي عين شمس ومدينة السلام في القاهرة.
بعد ثورة جمال عبد الناصر في عام 1952 ودعمه الشامل للقضايا العربية، تم منح الفلسطينيين الحقوق الأساسية بجانب وثيقة سفر مصرية للفلسطينيين. وهذا سمح لهم بالاستقرار في مصر مع احتمال التسجيل في التعليم العالي والتوظيف في وظائف القطاع العام. تم ترسيخ هذا “العصر الذهبي” من خلال أمر صدر في عام 1962 نص على اعتبار الفلسطينيين استثناءً من القواعد العامة المتعلقة بالأجانب والسماح لهم بالوصول إلى خدمات القطاع العام على قدم المساواة مع المصريين.
امتيازات “العصر الذهبي” استمرت حتى عام 1978 وذلك عندما قُتِل وزير الثقافة المصري، يوسف السباعي، على يد إرهابي فلسطيني مرتزق، أبو نضال البنا. مثّل هذا الاغتيال نقطة تحول سياسية في العلاقات الفلسطينية – المصرية حيث تم تقويض وضع الفلسطينيين وسُلبت منهم الحقوق والامتيازات. تم أيضاً تغيير القوانين وتصنيف الفلسطينيين على أنهم “أجانب”. وكدولة هي طرف في اتفاقية اللاجئين لعام 1951، رفضت مصر تطبيق المادة المعدلة 1 د من عام 2002. تنص هذه المادة على أن اللاجئين الذين لا يتمتعون بحماية أو مساعدة من أي منظمة تابعة للأمم المتحدة يجب أن يتمتعوا تلقائياً بحماية ومساعدة من قبل UNHCR.
وجد الفلسطينيون أنفسهم مستبعدين من الحقوق الوطنية التي كانوا يتمتعون بها. وعلى الرغم من أنهم لا يتلقون المساعدة و/أو الحماية من أي هيئة تابعة للأمم المتحدة إلا أنه تم استبعادهم من الوصول إلى الحقوق بموجب القانون الدولي للاجئين.
نتيجة كل ذلك وجد الفلسطينيون في مصر أنفسهم في وضع غير واضح من خلال حقوق محدودة كمقيمين وانعدام حقوقهم كلاجئين.
عايش ذلك ثلاثة أجيال على الأقل في مصر اليوم، وخاصة أولئك الذين كان لديهم أبوين فلسطينيين، فقد فاتهم فرص الصعود في السلم الاجتماعي والمنافسة على المستوى المهني. تغيير معاملة الطلاب الفلسطينيين حال دون متابعة العديدين لتعليمهم. حيث ألزم قرار وزاري صدر في عام 1978 الطلاب الفلسطينيين بالانتقال من المدارس العامة إلى المدارس الخاصة، بذلك أصبح التعليم في المدارس والجامعات مكلفًا وصعب الوصول بسبب الرسوم المرتفعة.
بدون تعليم قوي، لم يكن لدى الفلسطينيين القدرة على المنافسة على وظائف مهنية حيث تعين عليهم الحصول على تصاريح عمل قيدت عدد “الأجانب” في أي شركة ب 10%.
يُقدر عدد الفلسطينيين في مصر اليوم حوالي 200,000 شخص، متوزعين في محافظات متنوعة في وسط وشمال مصر. يشاركون اجتماعيًا ومهنيًا وثقافيًا مع المصريين، ويشكلون علاقات كعرب ومسلمين وجيران، وكذلك كفلسطينيين لهم صلات بالتاريخ المتجدد والمواقع المقدسة في فلسطين.
عدة عوامل أثرت على تشكيل الهوية الفلسطينية في مصر. الزواج بين الفلسطينيين والمصريين أثر بمرور السنين على الشكل الخارجي واللهجة، مما جعل التمييز بين الفلسطينيين والمصريين أمراً صعباً.
لم تكشف المقابلات التي أجريتها في أبحاثي بين عامي 2001 و2003 عن نمط متسق للهوية؛ حيث اختار بعض الفلسطينيين الاندماج الاجتماعي مع حقوق محدودة وروابط أقوى مع المصريين، بينما يعبر آخرون، أنه وعلى الرغم من التكامل الاجتماعي الناجح، إلا أن هناك إحساس عميق بانتماء للهوية الفلسطينية.
على الجانب الآخر وبعد أن تحملوا التهجير على الأقل مرتين في حياتهم، يقاوم الفلسطينيون في غزة بشدة فكرة نزوحهم مرة أخرى، خاصةً في اتجاه مصر. نظرًا للقرب الكبير والعلاقات الاجتماعية، يعي أهالي غزة جيدًا الظروف الصعبة التي يواجهها نظراؤهم في مصر. حيث ذكر العديد من الأفراد الذين قمت بمقابلتهم عن تلقيهم المساعدة المالية من أقاربهم في غزة وليس العكس.
الأفعال الوحشية للقوات الصهيونية الأمريكية ضد المدنيين في غزة تعكس سيناريوًا مشابهاً لخطة دالت لعام 1948: زرع الرعب من خلال الفظائع وارتكاب الإبادة الجماعية، وإخراج الأهالي بالقوة من منازلهم، ثم تدمير الأرض لمنع العودة.
ولكن على الرغم من هذه التحديات، إلا أن إصرار الفلسطينيين على مقاومة النزوح من أرضهم يؤكد رفضهم لقبول حياة بحقوق محدودة وكرامة خارج وطنهم الفلسطيني.









اترك تعليقاً