خمس فرضيات مضللة حول تغير المناخ

138

في نوفمبر المقبل، تستعد مدينة شرم الشيخ المصرية لاستضافة الدورة السابعة والعشرين لاجتماعات الدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة تغير المناخ COP 27. وبينما يتحضر قادة البلدان والخبراء والمعنيون للمؤتمر السنوي الأهم بيئيا، لمناقشة كيفية معالجة تغير المناخ، تنتشر بعد الادعاءات والآراء غير المدعومة علميا حول المناخ على وسائل التواصل الاجتماعي.

من الصعب تصديق ذلك، ولكن من الواضح أن هناك أكثر من عدد قليل من الناس ينكرون حدوث الظواهر المرتبطة بتغير المناخ. وفقا لدراسة حديثة نشرت في دورية PLOS، يقلل الناس بشكل منهجي من عدم إيمانهم بتغير المناخ الذي يسببه الإنسان عند الاجابة على الاستطلاعات، لذا فإن الشك أكثر انتشارا مما يدرك الكثير منا.

يقول العلماء إن إنكار تغير المناخ من المرجح الآن أن يركز على أسباب وآثار الاحترار، أو كيفية معالجته، بدلا من إنكار وجوده تماما. في هذا المقال نناقش بعض الادعاءات الأكثر انتشارا بشأن تغير المناخ، وما تقوله الأدلة العلمية للرد عليها.

خلال العقدين الماضيين، بذلت شركات صناعة الوقود الأحفوري وجماعات الضغط السياسية وأباطرة وسائل الإعلام والأفراد جهودا مضنية في إثارة الشكوك حول حقيقة تغير المناخ – حيث لا يوجد شيء. أحدث تقدير هو أن أكبر خمس شركات نفط وغاز مملوكة للقطاع العام في العالم تنفق حوالي 200 مليون دولار أمريكي سنويا على الضغط للسيطرة على سياسة المناخ الملزمة أو تأخيرها أو منعها.

الفرضية الأولي: لا وجود للاحتباس الحراري 

أحد أبرز الحجج التي يرددها مكذبو حدوث تغير المناخ، هي نفي حدوث ظاهرة الاحتباس الحراري نفسها. وللرد على هذه الحجة يجب أولا أن نفرق بين أمرين؛ المناخ والطقس. في حين يتقلب الطقس -الذي هو حالة الجو في فترة زمنية قصيرة- يوما بعد يوم، يشير المناخ إلى اتجاهات طويلة الأجل – والاتجاه العام هو اتجاه الاحترار بشكل واضح أثبتته كل الدراسات والتقارير العلمية الصادرة خلال الثلاثين عاما الماضية. وفي حين أن تأثيرات تغير المناخ قد بدأت للتو في ضرب شمال الكرة الأرضية، إلا أن المزارعين في المناطق الاستوائية ظلوا يتعاملون مع الآثار – من الجفاف إلى الفيضانات إلى انتشار الآفات التي تدمر المحاصيل – لسنوات. 

شاعت هذه الحجة في المنطقة العربية مؤخرا على خلفية موجة البرد القارس التي ضربت المنطقة خلال فصول الشتاء على مدار الثلاثة أعوام الماضية، خاصة مع تساقط بعض الثلوج في بلدان شمال أفريقيا الحارة والجافة. قد يبدو تساقط الثلوج في صحراء حارة متناقضا، لكن تم تسجيل تساقط الثلوج عدة مرات في الصحراء الكبرى على مدار العقود الماضية، كان آخرها في يناير 2022. وبالتالي، قد يكون تساقط الثلوج غير عادي ولكنه ليس غير مسبوق في المنطقة.

من أجل تكوين الثلج، هناك حاجة إلى خاصيتين مميزتين للطقس: درجات الحرارة الباردة والهواء الرطب. ويعكس وجود الثلج مزيجا خاصا من دوران الهواء في الغلاف الجوي وطبيعة سطح الأرض الذي يتساقط عليه الثلج. وعلى الرغم من أن الصحراء الكبرى تشهد عادة درجات حرارة عالية جدا (تصل إلى أكثر من 50 درجة مئوية)، يتم أيضا تسجيل درجات حرارة منخفضة (خاصة في الليل) بسبب سطح الأرض العاري والسماء الصافية. سجلت درجات حرارة قصوى تصل إلى -14 درجة مئوية في الجزائر في يناير 2005 خلال شتاء نصف الكرة الشمالي.

تمتد الصحراء عبر 11 دولة في شمال إفريقيا، هي: الجزائر وتشاد ومصر وليبيا ومالي وموريتانيا والمغرب والنيجر والصحراء الغربية والسودان وتونس. يحدها المحيط الأطلسي من الغرب والبحر الأحمر من الشرق والبحر الأبيض المتوسط ​​من الشمال، وحدود نباتات السافانا من الجنوب.

تجذب أنماط دوران الهواء الشتوي الهواء البارد الرطب باتجاه شمال الصحراء من المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط. ينتج عن هذا ارتفاع هطول الأمطار في فصل الشتاء على طول حافة الصحراء في هذا الموسم. فوق الأرض المرتفعة – مثل جبال أطلس المغرب والجزائر – يمكن أن يبرد الهواء المتصاعد ويتكثف، وإذا كان الهواء باردا بدرجة كافية يمكن أن تتجمد رطوبته لتكوين بلورات ثلجية ثم في النهاية غطاء من تساقط الثلوج. إذا كان سطح الأرض باردا أيضا، يمكن أن يستمر الثلج ولا يذوب على الفور.

في ظل هذه الظروف الجوية، وفي هذه المناطق الجبلية، يمكن أحيانا حدوث تساقط للثلج في الصحراء.

من أجل تكوين الثلج، هناك حاجة إلى خاصيتين مميزتين للطقس: درجات الحرارة الباردة والهواء الرطب

الفرضية الثانية: تغير المناخ ظاهرة طبيعية ليست خطيرة وليست جديدة 

فريق آخر من المنكرين لحدوث تغير المناخ في منطقتنا وحول العالم، لهم وجهة نظر مختلفة قليلة عن حالة الإنكار التام، فهم يعترفون بحدوث تغير للمناخ ولكنهم لا يجدونه أمرا سيئا على الإطلاق. يزعم هؤلاء أن الاحتباس الحراري سيجعل أجزاء من الأرض أكثر قابلية للسكن، وأن البرد يقتل أناسا أكثر من الحرارة. وغالبا ما ينتقي مروجو هذا الطرح بعض الحقائق العلمية التي تناسب فكرتهم، ويتجاهلون أطنانا من الأبحاث والتقارير التي تعكس طرحا مخالفا.

على سبيل المثال، من الصحيح أن بعض الأجزاء الباردة في البيئات القاسية وغير المضيافة من العالم يمكن أن تصبح أسهل للعيش فيها لبعض الوقت، مثل البيئات القطبية الشمالية، والقارة القطبية الجنوبية “أنتاركتيكا”. ولكن في نفس هذه الأماكن يمكن أن يؤدي الاحترار أيضا إلى هطول أمطار غزيرة، مما يؤثر على الظروف المعيشية والقدرة على زراعة المحاصيل. 

في الوقت نفسه، ستصبح أجزاء أخرى من العالم غير صالحة للسكن نتيجة لارتفاع درجات الحرارة وارتفاع مستويات سطح البحر، مثل جزر المالديف، وهي أدنى دولة في العالم، وبلدان شمال إفريقيا المنخفضة مثل مصر التي تتأثر سواحلها الشمالية بشدة بعمليات تآكل خط الشاطئ بسبب ارتفاع منسوب مياه سطح الأرض، فضلا عن غزو هذه المياه المالحة لمخزونات المياه الجوفية المصرية.

ورغم أنه بالفعل سجلت أعداد وفيات قليلة مرتبطة بالبرد حول العالم، وفقا لدراسة نُشرت في مجلة The Lancet، إلا أنه بين عامي 2000 و 2019 مات عدد أكبر من الناس نتيجة الطقس البارد أكثر من الحرارة. ومع ذلك، من المتوقع أن يؤدي ارتفاع عدد الوفيات المرتبطة بالحرارة إلى مزيد من التدمير وحرائق الغابات والفيضانات التي بدورها تقتل الآلاف حول العالم.

تقول الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ التابعة للأمم المتحدة (IPCC) إنه بشكل عام، من المتوقع أن تزداد المخاطر المتعلقة بالمناخ على الصحة وسبل العيش، مع زيادة الاحترار العالمي بمقدار 1.5 درجة. أي فوائد محلية صغيرة من أيام باردة أقل، من المتوقع أن تفوقها مخاطر نوبات الحرارة الشديدة المتكررة.

وتشير الأدلة إلى وجود صلة واضحة بين تغير المناخ واندفاع العبودية الحديثة، فعندما يؤدي فشل المحاصيل أو الجفاف أو الفيضانات أو الحرائق إلى القضاء على سبل العيش والمنازل، يهاجر الناس على أمل تحسين أوضاعهم – ولكنهم قد يجدون أنفسهم عرضة للاتجار والسخرة وانتهاكات حقوق الإنسان الأخرى. إضافة إلى ذلك، فإن التكلفة الاقتصادية الإجمالية كبيرة جدا، إذ قد يخسر الاقتصاد العالمي 23 تريليون دولار بسبب تغير المناخ بحلول عام 2050.

وصحيح أن مظاهر تغير المناخ ليست أمرا جديدا على الأرض، إذ كانت هناك فترات من الاحتباس الحراري والبرودة – المرتبطة أيضًا بالارتفاع والهدوء في غازات الدفيئة – خلال تاريخ الأرض الطويل. لكن تلك الزيادات التاريخية في ثاني أكسيد الكربون يجب أن تكون بمثابة تحذير لنا: لقد أدت إلى اضطرابات بيئية خطيرة، بما في ذلك الانقراض الجماعي. اليوم، يسبب البشر انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بمعدل أعلى بكثير من أي زيادة سابقة في التاريخ. 

الفرضية الثالثة: هل تجعل مكافحة تغير المناخ الناس فقراء؟

هناك ادعاء آخر شائع من قبل أولئك الذين يعارضون الجهود المبذولة لمكافحة تغير المناخ، وهو أن الوقود الأحفوري كان ضروريا لدفع النمو الاقتصادي، وأن إجراءات مكافحة تغير المناخ تتضمن أمورا تزيد من صعوبات الحياة وتحد من التطور الاقتصادي خاصة في البلدان الفقيرة. وأن الحد من استخدام الوقود الأحفوري سيؤدي حتما إلى إعاقة هذا النمو وزيادة تكلفة المعيشة، مما يضر بالناس الأكثر فقرا.

صحيح، أنه باستخدام الوقود الأحفوري، نجح الإنسان في تشغيل المركبات والمصانع والتكنولوجيا، مما سمح للبشر على مدى القرن الماضي بصنع الأشياء على نطاق وسرعة كان من المستحيل في السابق الوصول إليهما. مكن هذا الناس من صنع وبيع وشراء المزيد من الأشياء، وأن يصبحوا أكثر ثراء.

لكن التوقف عن استخدام الفحم لا يعني العودة إلى أيام العربات التي تجرها الثيران والآلات اليدوية، فلدينا الآن تقنيات أخرى بديلة أنظف يمكنها القيام بعمل مماثل. في العديد من الأماكن، أصبحت الكهرباء المتجددة – التي تعمل بواسطة طاقة الرياح أو الطاقة الشمسية على سبيل المثال – أرخص الآن من الكهرباء التي تعمل بالفحم أو النفط أو الغاز.

من ناحية أخرى، تتوقع الدراسات أنه إذا لم نتخذ إجراء بشأن تغير المناخ بحلول عام 2050، فقد يتقلص الاقتصاد العالمي بنسبة 18٪ بسبب الأضرار الناجمة عن الكوارث الطبيعية ودرجات الحرارة القصوى للمباني والأرواح والشركات والإمدادات الغذائية. وبطبيعة الحال، فإن بلدان العالم النامي والمجتمعات الفقيرة ستكون الأشد تضررا.

لكن، في الوقت نفسه تنتشر منشورات تشكك في جدوى الطاقات النظيفة وتدعي فشل الطاقة المتجددة في تلبية الطلب على الكهرباء والطاقة اللازمة في قطاعات التصنيع وتلبية الحاجات المدنية. ويزعم منتقدو مخططات الطاقة المتجددة أيضا أن التكنولوجيا تقتل الطيور والخفافيش، متجاهلين الدراسات التي تقدر أن النباتات التي تعمل بالوقود الأحفوري تقتل العديد من الحيوانات. 

في بلدان مثل مصر، تتعاون هيئة الطاقة المتجددة التابعة لوزارة الكهرباء والطاقة، مع وزارة البيئة، لتحديد مسارات حركة الطيور المهاجرة ومواسمها، ومن ثم يتم تعطيل بعض التوربينات بالتناوب في هذه الفترة حتى لا تعوق حركة الطيور المهاجرة في رحلتها ذهابا وإيابا من أوروبا وإفريقيا عبر منطقة الشرق الأوسط، وبالتالي إمكانية حماية هذه الطيور وعدم التأثير عليها أو قتلها.  

التوقف عن استخدام الفحم لا يعني العودة إلى أيام العربات التي تجرها الثيران والآلات اليدوية، فلدينا الآن تقنيات أخرى بديلة أنظف يمكنها القيام بعمل مماثل.

الفرضية الرابعة: لا يوجد إجماع بين العلماء على أن تغير المناخ ظاهرة حقيقية

فيديو | درجة حرارة سطح الأرض عبر الزمن وفقًا لوكالة ناسا | ملكية عامة | وكالة ناسا

في أحد المؤتمرات التقيت بأستاذ مصري كبير كان يشغل منصبا مرموقا في هيئة حكومية تعنى بالمناخ، ورغم منصبه العلمي والأكاديمي الرفيع في الشأن المناخي، إلا أن الرجل لا يرى خطرا في تغيرات المناخ ويجادل بأن هناك عشرات من الباحثين الآخرين الذين يعتبرونها مجرد خرافة لسرقة الشعوب وإفقارها، وهي الدعوى نفسها التي ازدهرت مع صعود الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب.

لكن، هل فعلا هناك خلاف علمي حول تأثيرات تغير المناخ؟ الحقيقة هي أنه هناك شبه إجماع تام بين كل الهيئات والاقسام العلمية التي تدرس العلوم المتصلة بالمناخ، حول ثبوت حدوث تغير المناخ، وأن هذا التغير خطير جداً على الأرض، وأن هذا التغير يتسبب فيه الإنسان في المقام الأول. علاوة على ذلك، تقول الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) التابعة للأمم المتحدة إن الاحترار العالمي يتسارع، وسيصل إلى درجة مئوية واحدة فوق مستويات ما قبل الصناعة بحلول عام 2030 – أي قبل عقد كامل من التوقعات السابقة.

الفرضية الخامسة : لا يوجد ما يمكن القيام به، لقد فات الأوان

أحد الاعتراضات على إجراءات مواجهة تغير المناخ يقول: “لو سلمنا بصحة حدوث تغير للمناخ، فقد فات الأوان للقيام بشيء، لقد دمر الكوكب بالفعل وأصبحنا حاليا في مواجهة مباشرة مع نوبات الحرارة وموجات الفيضانات. 

صحيح أنه ليس لدينا لحظة نضيعها، لكن الوقت لم يفت بعد لمكافحة تغير المناخ. إذا بدأت الحكومات والشركات والأفراد في اتخاذ إجراءات جذرية الآن، فيمكننا الحفاظ على الاحترار ضمن هدف 1.5 درجة مئوية الذي حددته اتفاقية باريس للمناخ. 

وبالفعل، بدأت بلدان مثل مصر والمغرب وتونس والأردن في الاتجاه إلى مشروعات الطاقة المتجددة مثل مشروعات توليد الكهرباء من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح في مصر والمغرب، ومشروعات الاستفادة من طاقة الهيدروجين الأخضر والأمونيا في مصر والسعودية والإمارات. كما تبذل الأردن جهودا كبيرة في مشروعات الطاقة الشمسية ومشروعات تعظيم الاستفادة من المياه الجوفية. 

محمد السعيد
WRITEN BY

محمد السعيد

يعمل محرراً علمياً بجريدة Daily News Egypt المصرية الصادرة بالإنجليزية، ويعد حالياً الدكتوراه في الجغرافيا البشرية من جامعة القاهرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.