Der
الشعبوية اليمينية والعنصرية الأوروبية Sindre Bangstad 1379x500

الشعبوية اليمينية والعنصرية الأوروبية

ads - إعلان - annonser

 تعريف العنصرية في وقتنا الراهن

نفهم من خلال العنصرية أفكاراً مُبسطة تقضي بأن بعض الأشخاص لهم قيمة أقل من أشخاصٍ آخرين وبالتالي يمكن معاملتهم بشكل مختلف أو استعبادهم. وذلك بحكم الخصائص الفطرية أو العشوائية التي يمتلكها هؤلاء الأشخاص مثل لون البشرة، أو العرق، أو القومية، أو المعتقدات، أو الثقافة، أو اللغة. وبالرغم من ذلك، اعتقد الكثيرون في النرويج وما زالوا يعتقدون حتى وقتنا هذا بأن العنصرية تتعلق فقط بحالاتٍ من التبعية والتمييز القائم على أساس لون البشرة أو الصفات الجسدية الأُخرى. الأمر الذي يُعدُّ تعبيراً عن العنصرية التي تمتلك في التاريخ الأوروبي الحديث ” ذروةً” محدودةً للغاية، أو يمكن القول بأن هذه العنصرية تمتلك “ذروةً” يمكن ربطها بما يسميه الباحثون ب” العنصرية العلمية، ” vitenskapelig rasisme” والتي امتدت تقريباً في الفترة بين عامي 1845 و 1945. على أية حال لم تكن “العنصرية العلمية” أكثر من مُجرّد علمية، وذلك نظراً للاتفاق الكبير جداً بين كلٍ من العلوم الاجتماعية والطبيعية على أن ” الأعراق” هي مفهوم اجتماعي وسياسي، وليست شيئاً يُعبّر عن حقائقٍ بيولوجية.

ترجم المقال لدار: مهند عبدالله. ورد المقال في العدد الثاني من مجلة دار
الشعبوية اليمينية والعنصرية الأوروبية circle cropped 46 1024x1024
كاتب المقال: سيندرا بانغستاد باحث في الأنثروبولوجيا، يعمل في مركز KIFO في أوسلو. من بين مؤلفاته كتاب وجوه العلمانية 2009، أندريس بريفيك وصعود الإسلاموفوبيا 2014، ما هي العنصرية 2015، السلفية في النرويج 2020.

ارتبطت “العنصرية العلمية” ارتباطاً وثيقاً بظهور الاستعمار الأوروبي في القرن التاسع عشر. كحاجةٍ إلى تبرير الهيمنة الاستعمارية الأوروبية قامت قوى الهيمنة الاستعمارية بتبني أفكار حول أن رعايا الدول التي تم استعمارها كانوا “أدنى منزلة من الناحية الإنسانية” وبالتالي يمكن الزعم بأن هؤلاء الرعاية “غير قادرين على إدارة شؤون بلادهم”. وفقاً للباحثين الذين درسوا تاريخ العنصرية في أوروبا فإن أول حدث يمكن اعتباره إثباتاً على العنصرية في أوروبا، كان تعرض كلٌ من المسلمين واليهود للتهديد والإكراه لكي يقوموا بالتحوّل إلى الكاثوليكية أثناء ما يُسمى ب ” استعادة” التاج الكاثوليكي لشبه الجزيرة الإيبيرية “الأندلس” التي تم حُكمها من قِبَلِ حكام شمال إفريقية المغاربة في القرن الثالث عشر وأحفادهم فيما بعد.

كان يُسمى هؤلاء المُجبَرين على التحول إلى الكاثوليكية بالموريسكيين, وفي القرون التالية تعرّض أحفاد هؤلاء الموريسكيين للتمييز المُمنهَج على أساس فكرة أن الأشخاص ذوي الدم ” النقيّ” و ” الكاثوليكي” هم فقط من يمكنهم تولي مناصب حساسة في المجتمع. الشيء الذي يجب التركيز عليه هنا هو أنه في ذلك الوقت لم يكن هناك أفكار متبلورة حول “الأعراق” البيولوجية. ففي الثقافة الإسبانية الكاثوليكية يُشير مصطلح “لا رازا، la raza” إلى المكانة النبيلة في المجتمع. بعبارةٍ أُخرى فإن العنصرية التي تعرّض لها اليهود والمسلمون الذين تحولوا إلى الكاثوليكية كانت بسبب ثقافتهم وطريقتهم في الحياة والإيمان.


كحاجةٍ إلى تبرير الهيمنة الاستعمارية الأوروبية قامت قوى الهيمنة الاستعمارية بتبني أفكار حول أن رعايا الدول التي تم استعمارها كانوا “أدنى منزلة من الناحية الإنسانية”

وبكلماتٍ أُخرى يمكن القول بأن العنصرية لا تحتاج فقط إلى فرض مفاهيم عن “الأعراق” البيولوجية، بل يمكن تغذية العنصرية أيضاً بأفكارٍ حول ثقافة الآخرين أو طريقتهم في الحياة أو معتقداتهم. السبب الذي جعل باحثي العنصرية في العقود الأخيرة يتحدثون بشكل مُتزايد عن ” عنصرية بدون أعراق”. هذا يعني بأنه يمكننا أن نستوحي من الفيلسوف فرانز فانون Frantz Fanon ونطلق تسمية العنصرية الثقافية، كأحد أشكال العنصرية الذي أصبح سائداً في عصرنا والذي يؤثر غالباً على المهاجرين والأقليات ذات الخلفية المسلمة. هذا يعني بأن ظاهرة العنصرية ضد المسلمين ليست بالظاهرة الجديدة في تاريخ العنصرية الأوروبية، الشيء الذي يدل على أن دائرة التاريخ قد اكتملت.

يمكن أن تكون الخلفية المسلمة حقيقية أو مُفتَرَضة، حيث يمكن أن يتم وضع الأشخاص في بوتقة ليست ببوتقتهم على الإطلاق. الشيء الذي يختبره غالباً غير المؤمنين من خلفيةٍ مسلمة أو السيخ الذي يتم الخلط بينهم وبين المسلمين.

على الرغم من أن كلمة “أعراق” ليس لها أي معنى بيولوجي أصلاً، إلا أن المفاهيم حول “العرق” تصبح حقيقة جداً في عواقبها الاجتماعية والمادية للأشخاص الذين يتعرضون لها. في وقتنا الحالي غالباً ما نجد أفكاراً أساسية حول “الأعراق” حيث يتم التعبير عن هذه الأفكار علانيةً أو أنها تتخذ أشكالاً أكثرُ دقة. ولذا نُفَضّل استخدام مصطلح التمييز العنصري حول المُمارسات الاجتماعية والسياسية التي تؤدي إلى افتراض أن أشخاصاً ينتمون إلى مجموعة مُعيّنة يجب أن يكون لديهم خصائص مُعيّنة ثابتة وغير مُتغيّرة لدرجة أنهم يتخذون طابع الخصائص الشبيهة أو يشكلون “عرقاً”.

العنصرية والشعبوية اليمينية

ما هي علاقة العنصرية والشعبوية الأوروبية ببعضهما البعض؟ شهدنا في العقود الأخيرة ظهور مجموعة كاملة من الأحزاب والحركات المؤثرة في العديد من البلدان الأوروبية سواءً الغربية أو الشرقية منها، وغالباً ما يتم وصف هذه الأحزاب والحركات بالشعبوية اليمينية. يميل الباحثون إلى القول بأن الشعوبيين اليمينيين يمتلكون “أيديولوجية ضعيفة”, وهذا يعني أن هؤلاء الشعوبيين اليمينيين لا يهتمون كثيراً بصياغة برامجهم الإيديولوجية والحزبية، لكنهم يميلون إلى استعارة المواقف الإيديولوجية في السياسة من كلٍ من اليمين واليسار. وذلك بحسب ما تقتضي الحاجة لفعله لاكتساب شعبيةٍ أكبر بين الناخبين

يمكن الأخذ على سبيل المثال حقيقة مفادها بأن حزب التقدم Frp الشعبويّ اليميني الأكثر نفوذاً في النرويج، والذي ظل في الحكومة من عام 2013 وحتى عام 2020 , قد تأسس في الأصل في عام 1973 كحزبٍ ليبراليّ تحت اسم حزب أندرش لانغيه Anders Langes Parti أو ALP. إن مؤسس الحزب أندرش لانغيه  Anders Langeكان مؤيداً لنظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، كما أن نظام حزب FrP كان أيضاً داعماً سياسياً للفصل العنصري هناك وذلك حتى انتهائه في عام 1990. تأسس حزب FrP على منصة إيديولوجية مُعارِضة لبيروقراطية الدولة والضرائب والرسوم وليست كمنصة مُعارِضة للهجرة. وذلك لم يكن حتى بداية الثمانينيات عندما اكتشف كارل آي هاغن Carl I Hagen -2006)1977) الرجل القوي في الحزب، بأنه هناك احتمال كبير للحصول على أصوات الناخبين وذلك من خلال تشكيل مُعارَضةٍ للهجرة بشكلٍ عام وهجرة المسلمين بشكلٍ خاص. وبذلك أصبح هذا الحزب بشكلٍ أساسي هو حزب يمثل مُعارضي الهجرة في المشهد السياسي النرويجي. وفي انتخابات المجالس البلدية والمحلية من في عام 1987 قام كارل هاغن Carl Hagen خلال الاجتماع الانتخابي في رويرفيك Røyrvik في تروندلاغ Trøndelag, بقراءة رسالة مُزيقة ومُلفّقة والزعم بأن محمد مصطفى من تويين Tøyen قد قام بكتابتها. حيث هدد مصطفى، حسب المزاعم، بالاستيلاء على النرويج في المستقبل، الشيء الذي جعل الانتخابات بغاية الروعة بالنسبة للمنصة الإيديولوجية الجديدة لحزب FrP في النرويج.

في الوقت الذي تكون فيه الفكرة العرقية القومية للمواطنة فكرة عنصرية في الدول الأوروبية ولديها ميل لإقصاء الأشخاص من غير البيض أو الأقليات، تكون الفكرة المدنية للمواطنة على النقيض من ذلك. ما نعرفه عن الناخبين الشعبويين اليمينيين – على الأقل في أوروبا- يشير إلى أن مُعظَمهم من الرجال البيض ذوي التعليم المحدود أو مستوى تعليم مُنخَفِض نسبياً. وعلى الرغم بأن هذه الأحزاب والحركات كان فيها قياداتٍ نسائية، إلا أنها لاتزال تجذب القليل من الناخبات النساء.


تأسس حزب FrP على منصة إيديولوجية مُعارِضة لبيروقراطية الدولة والضرائب والرسوم وليست كمنصة مُعارِضة للهجرة. وذلك لم يكن حتى بداية الثمانينيات عندما اكتشف كارل آي هاغن Carl I Hagen -2006)1977) الرجل القوي في الحزب، بأنه هناك احتمال كبير للحصول على أصوات الناخبين وذلك من خلال تشكيل مُعارَضةٍ للهجرة بشكلٍ عام وهجرة المسلمين بشكلٍ خاص

العلاقة المتولدة بين العنصرية والأحزاب والحركات الشعبوية اليمينية الأوربية ليست دائماً بسيطة. فمن أجل جعلها تظهر بأنها “صالحة” أصبحت العديد من هذه الأحزاب مُهتَمة بشكلٍ مُتزايد بإبعاد نفسها عن أشد أشكال العنصرية خطراً. فمن تاريخ حزب Frp, يمكن الذكر على سبيل المثال، بأنه لم يواجه حزبFrp أي مشكلة عندما قام أويستن هيدستروم Øystein Hedstrøm مُمَثل البرلمانStortinget عن حزب Frp في التسعينيات بعقد اجتماع مع النازيين القُدامى النرويجيين )في سينما غودليا Godlia , 1995 في أوسلو(، ولكن اجتماعات كهذه في وقتنا الحالي سيكون من غير الوارد حدوثها. على الرغم من ذلك، فإن الدور الذي لعبه حزب Frp في العقود الأخيرة- كغيره من الأحزاب الشعبوية اليمينية في أوروبا- كان قناةً لنشر وإضفاء الشرعية على أفكارٍ أكثر تطرفاً وعنصرية مما يريد الحزب نفسه تمثيله.

يمكن ملاحظة ذلك على سبيل المثال، من خلال الخطاب الذي تناول رسالة مصطفى المُلفقة من قِبَلْ كارل آي هاغن Carl I Hagen, حيث كان هذا الخطاب تعبيراً مُبكراً عن نظرية أيورابيا ” Eurabia ” اليمينية المتطرفة في النرويج، وكذلك من خلال استخدام سيف ينسن Siv Jensen لمصطلح ” الأسلمة المُستتِرة “Snikislamisering”, والذي تمت كتابته بعناية وبوضوح من قِبَلْ دوائر اليمين المُتطرف.

وفيما يتعلق بسياسة الهجرة والاندماج في البلدان الأوروبية، أَثبتت الأحزاب الشعبوية اليمينية أن لها تأثيراً سياسياً كبيراً. طال هذا التأثير مع الوقت الأحزاب اليسارية لتقوم بتغيير سياساتها اتجاه الهجرة والاندماج، يمكن أخذ أحزاب يمين الوسط الحالية في فرنسا كمثال، والتي حاولت لعدة عقود ارتداء سياسة مأخوذة من الشعبويين اليمينيين في التجمع الوطني بقيادة مارين لوبان Marine Le Pen، وذلك من أجل كبح تهافت الناخبين على اليمين الشعبوي.

في الدنمارك، حيث وقع الديمقراطيون الاشتراكيون بقيادة مته فريديركسن Mette Frederiksen تحت تأثير الشعبية طويلة الأمد للشعبويين اليمينين الدانماركيين المُمَثلين في حزب الشعب الدانماركي DF منذ عام 2001. أدى هذا التأثير الآن بأن يقوم الديمقراطيون الاشتراكيون باتخاذ خطوة واعدة للناخبين، وذلك بالوعد بأن الدانمارك سيقوم في المستقبل بالتجاهل التام للقانون الدولي للاجئين لتقليل عدد اللاجئين الذي ستستقبله الدانمارك إلى الصفر. وبالتالي يجب علينا أيضاً الأخذ بعين الاعتبار نجاح الناخبين الذي حققه الشعبويون اليمينيون في جميع أنحاء أوروبا من خلال اتباع سياسات الهجرة والاندماج، كتعبيرٍ عن حقيقة الفشل في هذه المهمة الهامة للأحزاب السياسية القائمة من اليسار إلى اليمين والتي هيمنت على سياسة أوروبا الغربية بعد عام 1945 لسنوات عديدة، لقد كان ولايزال يتعيّن صياغة رؤى أكثر إيجابية للمستقبل في أوروبا التي تتزايد فيها التعددية الثقافية.


الدانمارك سيقوم في المستقبل بالتجاهل التام للقانون الدولي للاجئين لتقليل عدد اللاجئين الذي ستستقبله الدانمارك إلى الصفر.

في الوقت نفسه، هناك نوع من الأسطورة السياسية بأن الشعبويين اليمينيون بحاجةٍ إلى وجودٍ فعليّ للمهاجرين وذلك للنجاح في اكتساب السلطة السياسية. ففي العديد من الحالات، كما في المجر وبولندا، تم اثبات بانه من أجل تأسيس السلطة والاحتفاظ بها فإنه يكفي التخويف بأفكارٍ عنصرية حول تهديداتٍ مزعومة من الهجرة والأقليات “الإسلاموفوبيا ومعاداة السامية”.

في كلٍ من بولندا والمجر، ظلت الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في السلطة لفترةٍ طويلة، على الرغم بأن هذه الدول لديها نسبة منخفضة جداً من المهاجرين مقارنة بمعظم دول أوروبا الغربية، حيث رفض قادتها الشعبويون اليمينيون منذ فترة طويلة بتحمل حصتهم من العبء المُرتَبطْ بأزمة اللاجئين.

إلى أين نحن متجهون؟

بدأت الأحزاب والحركات الشعبوية اليمينية من تمكين تواجدها وبقائها في أوروبا، ولكن تختلف درجة دعم الناخبين وتأثيرهم السياسي من بلدٍ إلى آخر، ويعتمد هذا الدعم أيضاً على شكل المُعارضة الديمقراطية والشعبية التي يواجهونها. في الوقت الذي تمر فيه العديد من الدول الأوروبية بعملياتِ تغييرٍ اجتماعي واقتصادي وديموغرافي كبير، ستصبح مقاومة العنصرية وكراهية الأجانب أكثر أهمية في السنوات القادمة. يجب أن تعني هذه المقاومة أيضاً مُعارضة الشعبوية اليمينية.

Gjesteskribent كاتب ضيف

Gjesteskribent كاتب ضيف

أضف تعليقًا